وأمرني بجهاد عدوكم الذي استباح بلادكم ، وأباد خياركم ، فإياكم أن يتخلف منكم رجل فيحلّ بنفسه العقوبة ، اخرجوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس » .
فعسكر الناس كلهم في معسكرهم .
فبلغ ذلك رتبيل ، فكتب إلى عبد الرحمن : يعتذر إليه من مصاب المسلمين ، ويخبره أنه كان لذلك كارها ، وأنهم ألجئوه إلى قتالهم ، ويسأله الصلح ، ويعرض عليه أن يقبل منه الخراج ، فلم يجبه ، ولم يقبل منه .
ولم ينشب عبد الرحمن أن سار في الجنود إليه حتى دخل أول بلاده ، وأخذ رتبيل يضم إليه جنده ، ويدع له الأرض رستاقا رستاقا « 1 » ، وحصا حصنا ، وطفق ابن الأشعث كلما حوى بلدا بعث إليه عاملا ، وبعث معه أعوانا ، ووضع البرد « 2 » فيما بين كل بلد وبلد ، وجعل الأرصاد على العقاب والشّعاب ، ووضع المسالح « 3 » بكل مكان مخوف ، حتى إذا حاز من أرضه أرضا عظيمة ، وملأ يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة ، حبس الناس عن الوغول في أرض رتبيل ، وقال : نكتفي بما أصبناه العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها ، ويجترئ المسلمون على طرقها ، ثم نتعاطى في العام المقبل ما وراءها ، ثم لم نزل ننتقصهم في كل عام طائفة من أرضهم حتى نقاتلهم آخر ذلك على كنوزهم وذراريّهم ، وفي أقصى بلادهم وممتنع حصونهم ، ثم لا نزايل بلادهم حتى يهلكهم اللّه ، ثم كتب إلى الحجاج بما فتح اللّه عليه من بلاد العدو ، وبما صنع اللّه للمسلمين ، وبهذا الرأي الذي رآه لهم .
( تاريخ الطبري 8 : 3 )
هامش
( 1 ) الرستاق : الناحية التي هي طرف الإقليم ، معرب .
( 2 ) جمع بريد .
( 3 ) جمع مسلحة ، وهي القوم ذوو سلاح .