189 - كتاب الحجاج إلى المهلب
وكتب الحجاج إلى المهلب يستحثه مع عبيد بن موهب ، وفي الكتاب :
« أما بعد ، فإنك تتراخى عن الحرب ، حتى يأتيك رسلي ، فيرجعون بعذرك ، وذلك أنك تمسك حتى تبرأ الجراح ، وتنسى القتلى ، ويجمّ « 1 » الناس ، ثم تلقاهم فتحتمل منهم مثل ما يحتملون منك من وحشة القتل وألم الجراح ، ولو كنت تلقاهم بذلك الجدّ لكان الداء قد حسم ، والقرن « 2 » قد قصم ، ولعمري ما أنت والقوم سواء ، لأن من ورائك رجالا ، وأمامك أموالا ، وليس للقوم إلا ما معهم ، ولا يدرك الوجيف بالدّبيب « 3 » ، ولا الظّفر بالتّعذير « 4 » » .
هامش
- فأبى قطري أن يعزله ، فقال له القوم : إنا خلعناك وولينا عبد ربه الصغير ، فانفصل إلى عبد ربه أكثر من الشطر وجلهم الموالى والعجم ، الكامل 2 : 225 .
وقال الطبري :
« وخرج رجل منهم كان عاملا لقطرى على ناحية من كرمان في سرية لهم يدعى المقعطر من بنى ضبة فقتل رجلا قد كان ذا بأس من الخوارج ودخل منهم في ولاية . فقتله المقعطر ، فوثبت الخوارج إلى قطري ذكروا له ذلك ، وقالوا : أمكنا من الضبي فقتله بصاحبنا ، فقال لهم : ما أرى أن أفعل ، رجل تأول فأخطأ في التأويل ، ما أرى أن تقتلوه ، وهو من ذوى الفضل منكم والسابقة فيكم ، قالوا : بلى قال لهم :
لا ، فوقع الاختلاف بينهم ، فولوا عبد ربه الكبير وخلعوا قطريا وبايع قطريا منهم عصابة نحو من ربعهم أو خمسهم ، فقاتلهم نحوا من شهر غدوة وعشية » - تاريخ الطبري 7 : 27 - .
( 1 ) أي يستريحوا من تعبهم ويعود إليهم نشاطهم ، من جم الماء يجم بالضم والكسر جموما : أي كثر واجتمع ، والبئر : تراجع ماؤها ، والفرس جماما بالفتح : ترك الضراب فتجمع ماؤه ، وجما وجماما : ترك فلم يركب فعفا من تعبه .
( 2 ) يصح أن يكون « القرن » بالفتح ، وهو الجانب الأعلى من الرأس : أي قصمت قرن الأعداء كما يقال كسر شوكتهم ، وأن يكون بالكسر وهو الكفء في الشجاعة أو عام وهو الأظهر لما يشير إليه كلام المهلب الآتي .
( 3 ) الوجيف : ضرب من سير الخيل والإبل .
( 4 ) التعذير : التقصير في الأمر .
فلما جاء المهلب هذا الكتاب قال لأصحابه : إن اللّه عز وجل قد أراحكم من أقران أربعة : قطري ابن الفجاءة وصالح بن مخراق وعبيدة بن هلال وسعد الطلائع ، وإنما بين أيديكم عبد ربه في خشار من خشار الشيطان تقتلونهم إن شاء اللّه ( والخشار والخشارة بضم الخاء : الردىء من كل شئ ، وسفلة الناس ) فكانوا يتغادون القتال ويتراوحون ، فتصيبهم الجراح ، ثم يتحاجزون ، كأنما انصرفوا من مجلس كانوا يتحدثون فيه ، فيضحك بعضهم إلى بعض ، فقال عبيد بن موهب للمهلب : قد بان عذرك وأنا مخبر الأمير -