تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
عددا وجلدا وقوة في بر وبحر ، وإنها قد عالجتها الفراعنة ، وعملوا فيها عملا محكما مع شدة عتوّهم وكفرهم ، فعجبت من ذلك ، وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدّى نصف ما كانت تؤدّيه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدب ، ولقد أكثرت في مكاتبتك في الذي على أرضك من الخراج ، وظننت أن ذلك سيأتينا على غير تريّث « 1 » ، ورجوت أن تفيق فترفع إلىّ ذلك ، فإذا أنت تأتيني بمعاريض « 2 » تعبأ بها ، لا توافق الذي في نفسي ، ولست قابلا منك دون الذي كانت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك ، ولست أدرى مع ذلك ، ما الذي نفرّك من كتابي وقبضك ، فلئن كنت مجرّبا كافيا صحيحا إن البراءة لنافعة ، ولئن كنت مضيّعا نطعا « 3 » إن الأمر لعلى غير ما تحدّث به نفسك ، وقد تركت أن أبتلى « 4 » ذلك منك في العام الماضي ، رجاء أن تفيق فترفع إلىّ ذلك ، وقد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلّا عمّالك عمال السوء ، وما توالس « 5 » عليك وتلفّف ، اتخذوك كهف ، وعندي بإذن اللّه دواء فيه شفاء عما أسألك عنه ، فلا تجزع أبا عبد اللّه أن يؤخذ منك الحق وتعطاه ، فإن النهر يخرج الدّرّ ، والحقّ أبلج « 6 » ، ودعني وما عنه تلجلج ، فإنه قد برح الخفاء ، والسلام » . ( حسن المحاضرة 1 : 64 ، وخطط المقريزي 1 : 78 )
هامش
( 1 ) التريث والريث : الابطاء ، وفي حسن المحاضرة « تراث » وهو تحريف وقد أصلحته كما ترى ، وفي خطط المقريزي « نزر » ونزر الشئ ككرم نزرا كشمس : قل . ( 2 ) التعريض : خلاف التصريح ، والمعاريض : التورية بالشئ عن الشئ ، والمعاريض من الكلام ما عرض به ولم يصرح ، جمع معراض من التعريض ، وأعراض الكلام ، ومعارضه ومعاريضه : كلام يشبه بعضه بعضا في المعاني ، كالرجل تسأله : هل رأيت فلانا فيكره أن يكذب وقد رآه . فيقول إن فلانا ليرى ، وفي حديث عمر : أما في المعاريض ما يغنى المسلم عن الكذب ! وقوله : تعبأ بها : أي أنت تعبأ بها وتظنها مما يقبل لدى ، ولكنها ليست عندي بشئ . ( 3 ) تنطع في الكلام فهو متنطع وهو المتعمق في الكلام المغالى فيه الذي يتكلم بأقصى حلقه تكبرا ، قال ابن الأعرابي : النطع كعنق المتشدقون في كلامهم ، ولم أعثر له على مفرد ، والظاهر أنه بصيغة واحدة للمفرد والجمع . ( 4 ) أي أمتحن ، وفي حسن المحاضرة : « أبتغي » . ( 5 ) الموالسة : الخداع والمداهنة ، وتوالسوا عليه : أي تناصروا عليه في خب وخديعة ، ولفف : جمع من هاهنا وهاهنا كما يلفف الرجل شهادة الزور ، وفي حسن المحاضرة : « وما تواليت عليه وتلفف الجدول كهفا » وهو تحريف . ( 6 ) أي واضح مضئ مشرق من بلج الصبح كدخل إذا أضاء وأشرق ، واللجلجة والتلجلج : التردد في الكلام ، وبرح الخفاء : أي وضح الأمر .