أضخم من منكبك ، وقربى أمسّ من قرباك ، وسنّ أعلى من سنك ، وشيبة أورع من شيبتك ، وسيادة لها أصل في الجاهلية ، وفرع في الإسلام ، ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة « 1 » ، ولا تذكر منها في مقدّمة ولا ساقة « 2 » ولا تضرب فيها بذراع ولا إصبع ، ولا تخرج منها ببازل ولا هبع « 3 » ، ولم يزل أبو بكر حبّة قلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعلاقة نفسه ، وعيبة سره ، ومفزع رأيه ومشورته ، وراحة كفّه ، ومرمق « 4 » طرفه ، وذلك كلّه بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والأنصار ، شهرته مغنية عن الدليل عليه .
ولعمري إنك أقرب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرابة ، ولكنه أقرب منك قربة « 5 » ، والقرابة لحم ودم ، والقربة نفس وروح ، وهذا فرق عرفه المؤمنون ولذلك صاروا إليه أجمعون ، ومهما شككت في ذلك ، فلا تشكّ أن يد اللّه مع الجماعة ، ورضوانه لأهل الطاعة ، فادخل فيما هو خير لك اليوم ، وأنفع لك غدا ، والفظ من فيك ما يعلق بلهاتك ، وانفث سخيمة صدرك عن تقاتك ، فإن يك في الأمد طول ، وفي الأجل فسحة ، فستأكله مريئا أو غير مرئ « 6 » ، وستشربه هنيئا أو غير هنئ ، حين لا رادّ لقولك إلا من كان آيسا منك ، ولا تابع لك إلا من كان طامعا فيك ، يمضّ إهابك ويعرك أديمك ، ويزرى على هديك ، هنالك تقرع السّنّ « 7 » من ندم ،
هامش
( 1 ) من أمثال العرب « لا ناقتي في هذا ولا جملي » قاله الحارث بن عباد البكري حين قتل جساس ابن مرة كليبا وهاجت الحرب بين بكر وتغلب ، وكان الحارث اعتزلهما .
( 2 ) ساقة الجيش : مؤخره .
( 3 ) جمل وناقة بازل وبزول كصبور : وذلك في تاسع سنيه ، وليس بعده سن تسمى . والهبع : الفصيل في آخر النتاج .
( 4 ) علاقة السيف بالكسر : حمالته . والعلاقة بالفتح ويكسر : الحب الملازم للقلب . رمقه كنصره :
نظر إليه ، وفي ابن أبي الحديد « وعلاقة همه ، وعيبة سره ، ومثوى حزنه ، وراحة باله ، ومرمق طرفه » .
( 5 ) القربة : الوسيلة
( 6 ) اللهاة : اللحمة المشرفة على الحلق . السخيمة : الحقد ، والتقاة :
التقوى . وأصلها وقية قلبت واوها المضمومة تاء كما في تؤدة وتخمة ، والياء ألفا . ومرأ الطعام مثلثة الراء مراءة فهو مرئ هنئ حميد المغبة .
( 7 ) مضه يمضه بضم الميم وفتحها ، وأمضه : آلمه وأحرقه .
الإهاب : الجلد . وكذا الأديم . وزرى عليه وأزرى : عابه . وقرع سنه : حرقه ندما .