تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
وضياء رسالة ، وثمرة حكمة ، وأثرة رحمة ، وعنوان نعمة ، وظلّ عصمة ، بين أمة مهدية بالحق والصدق ، مأمونة على الرّتق والفتق ، لها من اللّه تعالى قلب أبىّ ، وساعد قوىّ ويد ناصرة ، وعين باصرة . أتظنّ ظنّا يا علىّ أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتا على الأمة ، خادعا لها ، ومتسلّطا عليها ؟ أتراه امتلخ أحلامها ، وأزاغ أبصارها ، وحلّ عقودها ، وأحال عقولها ، واستلّ من صدورها حميّتها « 1 » ، ونكث رشاءها « 2 » ، وصبّ ماءها ، وأضلّها عن هداها ، وساقها إلى رداها ، وجعل نهارها ليلا ، ووزنها كيلا ، ويقظتها رقادا ، وصلاحها فسادا ؟ إن كان هكذا فإنّ سحره لمبين ، وإنّ كيده لمتين ، كلّا واللّه بأي خيل ورجل ، وبأي سنان ونصل ، وبأي منّة وقوة ، وبأي مال وعدّة ، وبأي أيد وشدة ، وبأي عشيرة وأسرة ، وبأي قدرة ومسكنة ، وبأي تدرّع وبسطة « 3 » ؟ لقد أصبح بما وسمته منيع الرّقبة ، رفيع العتبة ، لا واللّه لكن سلا عنها فولهت « 4 » له ، وتطامن لها فلصقت به ، ومال عنها فمالت إليه ، واشمأزّ دونها فاشتملت عليه ، حبوة حباه « 5 » اللّه بها ، وعاقبة بلّغه اللّه إليها ، ونعمة سربله اللّه جمالها ، ويد أوجب اللّه عليه شكرها ، وأمة نظر اللّه به إليها ، وطالما حلّقت فوقه في أيام النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو لا يلتفت إليها ، ولا يرتصد وقتها ، واللّه تعالى أعلم بخلقه ، وأرأف بعباده ، يختار ، ما كان لهم الخيرة « 6 » ، وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، وكهف الحكمة ، ولا يجحد حقّك فيما آتاك ربك من العلم ، ومنحك من الفقه والدين ، هذا إلى مزايا خصصت بها ، وفضائل اشتملت عليها ، ولكن لك من يزاحمك بمنكب
هامش
( 1 ) امتلخها : انتزعها . الأحلام : جمع حلم بالكسر وهو العقل . الحمية : الأنفة . ( 2 ) نكث الحبل : نقضه . والرشاء : الحبل . ( 3 ) رجل : جمع راجل وهو ضد الفارس . والمنة : القوة . والأيد : القوة أيضا ، وكذا المكنة . البسطة : السعة . ( 4 ) الوله بالتحريك : ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد ، وفعله كفرح ( 5 ) حباه : أعطاه . والحياة مثلثة ، والحباء ككتاب : العطاء . ( 6 ) الخيرة : اسم من الاختيار .