وجاء في أمالي السيد المرتضى :
روى أن بعض خلفاء بنى العباس - وأظنه الرشيد - صعد المنبر ليخطب ، فسقطت على وجهه ذبابة ، فطردها ، فرجعت ، فحصر وأرتج عليه ، فقال : أعوذ باللّه السميع العليم
« يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ
« 1 »
مِنْهُ ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ »
ثم نزل ، فاستحسن ذلك منه .
* * * وروى أن رجلا صعد المنبر أيام يزيد بن معاوية ، وكان واليا على قوم فقال لهم : « أيها الناس : إنّى إن لم أكن فارسا طبّا « 2 » بهذا القرآن ، فإن معي من أشعار العرب ما أرجو أن يكون خلفا منه ، وما أساء القائل أخو البراجم حيث قال :
وما عاجلات الطير يدنين للفتى * رشادا ، ولا من ريثهن يخيب « 3 »
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة * وللقلب من مخشاتهن وجيب « 4 »
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه * على نائبات الدهر حين تنوب
وفي الشكّ تفريط وفي الحزم قوة * ويخطى الفتى في حدسه ويصيب « 5 »
فقال رجل من كلب : إن هذا المنبر لم ينصّب للشعر ، بل ليحمد اللّه تعالى ،
هامش
( 1 ) وكانوا يطلون أصنامهم بالطيب والزعفران ويغلقون عليها الأبواب ، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله .
( 2 ) ماهرا حاذقا .
( 3 ) كانت العرب تتيمن بالطير السانح ، وهو ما ولاك ميامنه ، بأن يمر من مياسرك إلى ميامنك ، وتتشاءم بالبارح ، وهو ما ولاك مياسره ، بأن يمر من ميامنك إلى مياسرك ، وذلك لأنه لا يمكنك رميه إلا بان تنحرف له ، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير ، فيعتمدها ، وعاجلات الطير هي أن يخرج الإنسان من منزله إذا أراد أن يزجر الطير ، فما مر به أول ما يبصر فهو عاجلات الطير ، وإن أبطأت عنه وانتظرها فقد راثت أي أبطأت ، والأول عندهم محمود ، والثاني مذموم .
( 4 ) خشيه خشية ومخشاة : خافه ، ووجب القلب وجيبا : خفق واضطرب .
( 5 ) الحدس : الظن والتخمين ، والأبيات لضابئ بن الحارث البرجمي ( انظر زهر الآداب 2 : 88 ) .