تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ »
، وتنادى أخرى :
« هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ؟ »
، وتستغيث أخرى :
« يا لَيْتَنا نُرَدُّ
فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ »
، وتقول أخرى :
« رَبِّ ارْجِعُونِ »
، فرحم اللّه من نظر لنفسه ، قبل غروب شمسه وقدّم لغده من أمسه ، وعلم أن الحياة تجرّ إلى الموت ، والغفلة تقود إلى الفوت ، والصحة مركب الألم ، والشبيبة سفينة تقطع إلى ساحل الهرم » . وإن شاء قال بعد الخطبة : « إخواني ، ما هذا التوانى ؟ والكلف بالوجود الفاني ، عن الدائم الباقي ، والدهر يقطع الأماني ، وهادم اللذات قد شرع في نقض المباني ، ألا معتبر في عالم هذه المعاني ، ألا مرتحل عن مغابن هذه المغانى « 1 » ؟
ألا أذن تصغى إلىّ سميعة * أحدّثها بالصّدق ما صنع الموت
مددت لكم صوتي فأوّاه حسرة * على ما بدا منكم فلم يسمع الصوت
هو القدر الآتي على كل أمّة * فتوبوا سراعا قبل أن يقع الفوت
يا كلفا بما لا يدوم ، يا مفتونا بغرور الوجود المعدوم ، يا صريع جدار الأجل المهدوم ، يا مشتغلا ببنيان الطّرق قد ظهر المناخ وقرب القدوم ، يا غريقا في بحار الأمل ما عساك تعوم ! يا معلّل الطعام والشراب ، ولمع السّراب « 2 » ، لا بدّ أن تهجر المشروب وتترك المطعوم ، دخل سارق الأجل بيت عمرك فسلب النشاط وأنت تنظر ، وطوى البساط وأنت تكرب « 3 » ، واقتلع جواهر الجوارح ، وقد وقع بك النّهب ، ولم يبق إلا أن يجعل الوسادة على أنفك ويقعد :
لو خفّف الوجد عنى * دعوت طالب ثاري
« كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها »
، كيف التّراخى والفوت مع الأنفاس ينتظر ،
هامش
( 1 ) المغانى : جمع مغنى وهو المنزل . ( 2 ) السراب : ما يرى وسط النهار كأنه ماء . ( 3 ) كربه الغم كنصر : اشتد عليه .