والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان « 1 » الرمل ، وقد خشيت واللّه أن يهلك بهلاكه ، ونعطب بعطبه .
وأنت فارس العرب وابن فارسها ، وقد فزع إليك في لقاء هذا الرجل ( طاهر ) ، وأطمعه فيما قبلك أمران ؛ أمّا أحدهما فصدق طاعتك ، وفضل نصيحتك ؛ والثاني يمن نقيبتك « 2 » ، وشدة بأسك ، وقد أمرني بإزاحة علّتك ، وبسط يدك فيما أحببت ، غير أن الاقتصاد رأس النصيحة ، ومفتاح اليمن والبركة ، فأنجز حوائجك ، وعجّل المبادرة إلى عدوك ، فإني أرجو أن يوليك اللّه شرف الفتح ، ويلمّ بك شعث هذه الخلافة والدولة » .
فأجاب بالسمع والطاعة ، غير أنه طلب مطالب لم ترق في عين الأمين فغضب عليه ؛ وأمر بسجنه . ( تاريخ الطبري 10 : 158 وزهر الآداب 2 : 158 )
101 - وصية الأمين لأحمد بن مزيد
ثم ندب عمّه أحمد بن مزيد ، فلما أراد الشخوص دخل على الأمين ، فقال : أوصني أكرم اللّه أمير المؤمنين ، فقال :
« أوصيك بخصال عدّة ، إياك والبغى فإنه عقال « 3 » النصر ، ولا تقدّم رجلا إلا باستخارة ، ولا تشهر سيفا إلا بعد إعذار ، ومهما قدرت عليه باللين ، فلا تتعدّه إلى إلى الخرق والشّره ، وأحسن صحابة من معك من الجند ، وطالعني بأخبارك في كل يوم ، ولا تخاطر بنفسك في طلب الزّلفة « 4 » عندي ، ولا تستقها فيما تخوّف رجوعه علىّ ، وكن لعبد اللّه أخا مصافيا ، وقرينا برّا ، وأحسن مجامعته ، وصحبته ومعاشرته ، ولا تخذله إن استنصرك ، ولا تبطئ عنه إذا استصرخك ، ولتكن أيديكما « 5 » واحدة ، وكلمتكما متفقة » .
هامش
( 1 ) القيعان جمع قاع : وهو أرض مطمئنة سهلة قد انفرجت عنها الجهال والآكام .
( 2 ) النقيبة : النفس والطبيعة .
( 3 ) العقال في الأصل : الحبل الذي تقيد به الدابة .
( 4 ) الزلفة والزلفى : القربة .
( 5 ) أي أنت وعبد اللّه بن حميد بن قحطبة .