والحروب لا تدبّر بالاغترار ، والثقة أن تحترز ، ولا تقل : المحارب لي طاهر ، فالشرارة الخفيّة ربما صارت ضراما « 1 » ، والثّلمة من السيل ربما اغترّ بها وتهوّن ، فصارت بحرا عظيما ، وقد قربت عساكرنا من طاهر ، فلو كان رأيه الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا » .
قال : اسكت ، فإن طاهرا ليس في هذا الموضع الذي ترى ، وإنما يتحفظ الرجال إذا لقيت أقرانها ، وتستعدّ إذا كان المناوي « 2 » لها أكفاءها ونظراءها » .
( تاريخ الطبري 10 : 150 ، ومروج الذهب 2 : 299 )
98 - حزم طاهر وقوة عزمه
وعسكر طاهر على خمسة فراسخ من الرّىّ ، وأتاه محمد بن العلاء ، فقال : « أيها الأمير ، إنّ جندك قد هابوا هذا الجيش ، وامتلأت قلوبهم خوفا ورعبا منه « 3 » ، فلو أقمت بمكانك ، ودافعت القتال إلى أن يشامّهم « 4 » أصحابك ، ويأنسوا بهم ، ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم » ، فقال :
« لا ، إني لا أوتى من قلّة تجربة وحزم ، إن أصحابي قليل ، والقوم عظيم سوادهم ، كثير عددهم ، فإن دافعت القتال ، وأخّرت المناجزة ، لم آمن أن يطّلعوا على قلّتنا وعورتنا ، وأن يستميلوا من معي برغبة أو رهبة ، فينفر عنى أكثر أصحابي ، ويخذلني أهل الحفاظ والصبر ، ولكن ألفّ الرجال بالرجال ، وألحم « 5 » الخيل بالخيل ، وأعتمد على الطاعة والوفاء ، وأصبر صبر محتسب للخير ، حريص على الفوز بفضل الشهادة ، فإن
هامش
( 1 ) الضرام : اشتعال النار في الحلفاء وغيرها ، ودقاق الحطب الذي يسرع اشتعال النار فيه .
( 2 ) المعادى .
( 3 ) وكانت عدة عسكر ابن ماهان خمسين ألفا ، وذكر بعض أهل بغداد أنهم لم يروا عسكرا كان أكثر رجالا وأفره كراعا ، وأظهر سلاحا ، وأتم عدة ، وأكمل هيئة من عسكره ، وروى أن طاهرا كان في أقل من أربعة آلاف .
( 4 ) شاما وتشاما : شم أحدهما الآخر ، والمعنى اقتربا .
( 5 ) أي أقرن الخيل بالخيل ، من قولهم : ألحمت الحرب فالتحمت ، والملحم بضم الميم وبفتح الحاء : الملصق بالقوم ، ولاحم الشئ بالشئ : ألصقه به .