ثم قال : أي بنىّ ، لا تزهدنّ في معروف ، فإن الدهر ذو صروف ، والأيام ذات نوائب ، على الشاهد والغائب ، فكم من راغب أصبح مطلوبا ما لديه ، واعلم أن الزمان ذو ألوان ، ومن يصحب الزمان ير الهوان ، وكن أي بنىّ كما قال أبو الأسود الدّؤلى :
وعدّ من الرحمن فضلا ونعمة * عليك ، إذا ما جاء للعرف طالب « 1 »
وإن امرأ لا يرتجى الخير عنده * يكن هيّنا ثقلا على من يصاحب
فلا تمنعن ذا حاجة جاء طالبا * فإنك لا تدرى متى أنت راغب
رأيت التوا هذا الزمان بأهله * وبينهم فيه تكون النوائب « 2 »
ثم قال : أي بنى ، كن جوادا بالمال في موضع الحق ، بخيلا بالأسرار عن جميع الخلق ، فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البرّ ، وإن أحمد بخل الحرّ الضّنّ « 3 » بمكتوم السر ، وكن كما قال قيس بن الخطيم الأنصاري :
أجود بمكنون التّلاد ، وإنني * بسرّك عمّن سألني لضنين « 4 »
إذا جاوز الاثنين سرّ فإنه * بنثّ ، وتكثير الحديث قمين « 5 »
وعندي له يوما إذا ما ائتمنتنى * مكان بسوداء الفؤاد مكين « 6 »
ثم قال : أي بنى ، وإن غلبت يوما على المال ، فلا تدع الحيلة على حال ، فإن الكريم يحتال ، والدّنىّ عيال « 7 » ، وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالا ، أقلّ
هامش
( 1 ) العرف : المعروف .
( 2 ) التوا أصله التواء قصره لضرورة الشعر ، التوى به الزمان : أعوج .
( 3 ) الضمن بالكسر والضنانة بالفتح : البخل .
( 4 ) سال يسال من باب خاف لغة في سأل المهموز ، وليس مسهلا للوزن كما ظن بعضهم .
( 5 ) نث الحديث : أفشاه ، وقمين : جدير ، وقطع همزة الاثنين للضرورة .
( 6 ) سوداء الفؤاد ؛ وسويداؤه ، وسواده ، وأسوده : حبته .
( 7 ) العيال جمع عيل كجيد :
وهو ما يلزم الإنفاق عليه ، ويكون اسما للواحد ( كما استعمله هنا ) .