467 - مقام الحسن البصري عند عمر بن هبيرة
لما ولى عمر بن هبيرة الفزاري العراق - وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك - استدعى الحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، والشّعبىّ ، سنة ثلاث ومائة ، فقال لهم :
إن يزيد خليفة اللّه ، استخلفه على عباده ، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته ، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة ، وقد ولّانى ما ترون ، فيكتب إلىّ بالأمر من أمره ، أعرف في تنفيذه الهلكة ، فأخاف إن أطعته غضب اللّه ، وإن عصبته لم آمن سطوته ، فما ترون ؟
فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقيّة ، وكان ابن هبيرة لا يستشفى دون أن يسمع قول الحسن ، فقال : قل ما عندك يا أبا سعيد ، فقال : « يا ابن هبيرة : خف اللّه في يزيد ولا تخف يزيد في اللّه ، إن اللّه يمنعك من يزيد ، وإن يزيد لا يمنعك من اللّه ، وأوشك أن يبعث إليك ملكا ، فيزيلك عن سريرك ، ويخرجك من سعة قصرك ، إلى ضيق قبرك ، ثم لا ينجيك إلا عملك ، يا ابن هبيرة : إن تعص اللّه ، فإنما جعل اللّه هذا السلطان ناصرا لدين اللّه وعباده ، فلا تركبنّ دين اللّه وعباده بسلطان اللّه ، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » .
وفي رواية أخرى قال : « أقول واللّه إنه يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة اللّه فظّ غليظ ، لا يعصى اللّه ما أمره ، فيخرجك من سعة قصرك ، إلى ضيق قبرك ، فلا يغنى عنك ابن عبد الملك شيئا ، وإني لأرجو أن اللّه عزّ وجلّ سيعصمك من يزيد ، وإن يزيد لا يمنعك من اللّه ، فاتق اللّه أيها الأمير ، فإنك لا نأمن أن ينظر اللّه إليك ، وأنت على أقبح ما تكون عليه من طاعة يزيد ، نظرة يمقتك بها ، فيغلق عنك باب الرحمة ، واعلم أنى أخوّفك ما خوّفك اللّه سبحانه حين يقول : « ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد » وإذا كنت مع اللّه عزّ وجلّ في طاعته كفاك بوائق « 1 » يزيد ، وإن كنت مع يزيد على معصية اللّه وكلك اللّه إلى يزيد حين لا يغنى عنك شيئا » .
هامش
( 1 ) جمع بائقة وهي الداهية .