إني واللّه يأهل العراق ، ومعدن الشقاق والنفاق ، ومساوى الأخلاق ، ما يقعقع لي بالشّنان « 1 » ، ولا يغمز جانبىّ كتغماز التين ، ولقد فررت « 2 » عن ذكاء ، وفتّشت عن تجربة ، وجريت إلى الغاية القصوى ، وإن أمير المؤمنين - أطال اللّه بقاءه - نثر كنانته « 3 » ، بين يديه ، فعجم « 4 » عيدانها ، فوجدني أمرّها عودا ، وأصلبها مكسرا « 5 » فرماكم بي ، لأنكم طالما أوضعتم « 6 » في الفتن ، واضطجعتم في مراقد الضلال ، وسننتم سنن الغىّ ، أما واللّه لألحونّكم « 7 » لحو العصا ، ولأقرعنكم قرع المروة « 8 » ، ولأعصبنكم عصب السّلمة « 9 » ، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل « 10 » ، فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنّة ، يأتيها رزقها رغدا من كلّ مكان ، فكفرت بأنعم اللّه ، فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ، وإني واللّه لا أعد إلا وفّيت ، ولا أهمّ إلا أمضيت ، ولا أخلق إلا فريت « 11 » ، فإياي وهذه الشّفعاء ، والزّرافات « 12 » والجماعات ، وقالا وقيلا « 13 » ، وما تقول ؟ وفيم أنتم وذاك ؟
هامش
( 1 ) القعقعة : تحريك الشئ اليابس الصلب مع صوت مثل السلاح وغيره ، والشنان : جمع شن بالفتح ، وهو القربة البالية ، وهم يحركونها إذا أرادوا حث الإبل على السير لتفزع فتسرع : مثل يضرب لمن لا يروعه ما لا حقيقة له ، وقد تمثل به معاوية من قبله .
( 2 ) فر الدابة : فتح حنكها وكشف أسنانها لينظر سنها ، وفر عن الأمر : بحث عنه .
( 3 ) الكنانة : جعبة السهام . وفي رواية : « كب كنانته » أي قلبها .
( 4 ) عجم العود : عضه ليعرف صلابته من خوره .
( 5 ) وفي رواية « وأصلها عمودا » .
( 6 ) أوضع إيضاعا : أسرع في سيره كوضع .
( 7 ) لحا العصا : قشر ، وفي رواية : « لحو العود » .
( 8 ) المرو : حجارة بيض براقة تورى النار .
( 9 ) السلمة : شجر كثير الشوك . قال الجاحظ في البيان والتبيين « لأن الأشجار تعصب أغصانها ، ثم تخبط بالعصى لسقوط الورق وهشيم العيدان » ( 3 : 21 ) .
( 10 ) قال الجاحظ أيضا : ( 3 : 27 ) « وهي تضرب عند الهرب ، وعند الخلاط ، وعند الحوض أشد الضرب » وقال الحارث بن صخر :بضرب يزيل الهام عن سكناته * كما ذيد عن ماء الحياض الغرائب( 11 ) أخلق : أقدر ، وفريت : قطعت .
( 12 ) الشفعاء جمع شفيع ، وكانوا يجتمعون إلى السلطان فيشفعون في أصحاب الجرائم ، فنهاهم عن ذلك ، والزرافات جمع زرافة بفتح الزاي وضمها : الجماعة من الناس .
( 13 ) القول في الخير ، والقال ، والقيل ، والقالة في الشر .