فما برحت هنات « 1 » أبيك تحطب في حبل القطيعة ، حتى انتكث « 2 » المبرم ، وانحلّ عقد الوداد ، فيا لها توبة تؤتنف « 3 » من حوبة أورثت ندما ، أسمع بها الهاتف ، وشاعت للشامت ، فليهنأ « 4 » الواشم ما به احتقر ، وأراك تحمد من أبيك جدّا وجسورا « 5 » هما أوفيا به على شرف التّقحّم « 6 » ، وغبط النعمة ، فدعهما فقد أذكرتنا منه ما زهّدنا فيك من بعده ، وبهما مشيت الضراء ، واشتففت النضار ، فاذهب ، إليك ، فأنت نجل الدّغل « 7 » ، ونثر النّغل « 8 » ، والأجر شرّ » .
272 - مقال يزيد بن معاوية
فقال يزيد : « يا أمير المؤمنين إن للشاهد غير حكم الغائب ، وقد حضرك زياد ، وله مواطن معدودة بخير ، لا يفسدها التظنّى « 9 » ، ولا تغيّرها التّهم ، وأهلوه أهلوك التحقوا بك ، وتوسّطوا شأنك ، فسافرت به الرّكبان ، وسمعت به أهل البلدان ، حتى اعتقده الجاهل ، وشكّ فيه العالم ، فلا تتحجّر « 10 » يا أمير المؤمنين ما قد اتسع ، وكثرت فيه الشّهادات ، وأعانك عليه قوم آخرون » .
فانحرف معاوية إلى من معه ، فقال : هذا وقذ « 11 » نفسه ببيعته ، وطعن في إمرته ، يعلم ذلك كما أعلمه ، يا للرّجال من آل أبي سفيان ! لقد حكموا وبذّهم « 12 » يزيد وحده ،
هامش
( 1 ) أعماله وسيئاته جمع هنة .
( 2 ) انحل وانتقض .
( 3 ) تؤتنف : تستأنف ، والحوبة :
الإثم والذنب .
( 4 ) من هنأه الطعام : أي ساغ ولذ ، والواشم فاعل من الوشم ، وشم يده : إذا غرزها بإبرة ثم ذر عليها النيلج ، والمراد به هنا المعادى - والوشيمة : العداوة - أي فهنيئا لأعدائه الذين حقروه ونالوا من عرضه ، فهو أهل لما قيل فيه : « يرد معاوية بذلك على قول عبيد اللّه قبل « ولا تندلق عليه ألسن كلمته حيا ، ونبشته ميتا » .
( 5 ) الجسور : الجسارة .
( 6 ) تقحمت به دابته : ندت به وربما طوحت به في وهدة أو وقصت به ، والقحمة كغرفة : الورطة والمهلكة ، والمراد التعرض للهلاك .
( 7 ) الدخل والفساد .
( 8 ) نغل الأديم نغلا : فسد في الدباغ ، والجرح فسد .
( 9 ) التظنى :
إعمال الظن ، وأصله التظنن .
( 10 ) أي فلا تضيق . تحجر عليه : ضيق ، وتحجر ما وسعه اللّه : حرمه وضيقه ، وفي الحديث : « لقد تحجرت واسعا » أي ضيقت ما وسعه اللّه ، وفي الأصل « فلا يتحجر » وهو تصحيف .
( 11 ) في الأصل « وفد » ولعله وقذ ، يقال وقذه : أي غلبه وسكنه .
( 12 ) فاقهم .