تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
ومكافحة ، ومعاينة وسماعا ، وما أعلم منه فوق ما تعلمان ، وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه ، وقد علم اللّه ما أحاول به من أمر الرعية ، من سدّ الخلل ، ولم الصّدع بولاية يزيد ، بما أيقظ العين ، وأحمد الفعل ، هذا معناى في يزيد ، وفيكما فضل القرابة ، وحظوة العلم ، وكمال المروءة ، وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة ، ما أعياني مثله عندكما ، وعند غيركما ، مع علمه بالسنة وقراءة القرآن ، والحلم الذي يرجح بالصّمّ « 1 » الصّلاب ، وقد علمتما أن الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة ، قدّم على الصّديق والفاروق ، ومن دونهما من أكابر الصحابة ، وأوائل المهاجرين ، يوم غزوة ذات السّلاسل « 2 » ، من لم يقارب القوم ، ولم يعاندهم « 3 » ، برتبة في قرابة موصولة ، ولا سنّة مذكورة ، فقادهم الرجل بأمره ، وجمع بهم صلاتهم ، وحفظ عليهم فيئهم ، وقال ولم يقل معه ، وفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسوة حسنة ، فمهلا بنى عبد المطلب ، فإنا وأنتم شعبا نفع وجدّ ، وما زلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما ، فما يقول القائل إلا بفضل قولكما ، فردّا على ذي رحم مستعتب ، ما يحمد به البصيرة في عتابكما ، وأستغفر اللّه لي ولكما » . فتيسّر ابن عباس للكلام ، ونصب يده للمخاطبة ، فأشار إليه الحسين وقال : على رسلك ، فأنا المراد ، ونصيبي في التّهمة أوفر ، فأمسك ابن عباس ، فقام الحسين :
هامش
( 1 ) الصم جمع أصم : وهو الحجر الصلب المصمت . ( 2 ) غزوة ذات السلاسل ، وهي وراء وادى القرى من أرض بنى عذرة : غزاها سرية عمرو بن العاص سنة ثمان للهجرة ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعثه يستنفر العرب إلى الشأم ، فلما كان على ماء بأرض جذام ، يقال له السلسل - وبذلك سميت تلك الغزوة غزوة ذات السلاسل - خاف فبعث إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستمده ، فبعث إليه رسول اللّه أبا عبيدة ابن الجراح في المهاجرين الأولين ، فيهم أبو بكر وعمر ، وقال لأبى عبيدة حين وجهه : لا تختلفا ، فخرج أبو عبيدة ، حتى إذا قدم عليه ، قال له عمرو : إنما جئت مددا لي ، قال أبو عبيدة : لا ، ولكني على ما أنا عليه ، وأنت على ما أنت عليه - وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا ، هينا عليه أمر الدنيا - فقال له عمرو : بل أنت مدد لي ، فقال له أبو عبيدة : يا عمرو ، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لي : لا تختلفا ، وإنك إن عصيتني أطعتك ، قال : فإني الأمير عليك ، وأنت مدد لي ، قال : فدونك . فصلى عمرو بالناس . ( 3 ) المعاندة : المفارقة ، أي ولم يمتز عليهم برتبة .
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 254 | أحمد زكي صفوت