تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
المال ، فإن ضننت به عليكم إني إذن لضنين ، واللّه لولا أن أنعش « 1 » سنّة ، أو أسير بحق ، ما أحببت أن أعيش فواقا » . ( سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص 210 ، ولابن عبد الحكم ص 39 )

199 - كلامه في مرضه الذي مات فيه

ودخل عليه مسلمة بن عبد الملك في المرضة التي مات فيها ، فقال له : يا أمير المؤمنين « إنك فطمت أفواه ولدك عن هذا المال ، وتركتهم عالة « 2 » ، ولا بد من شيء يصلحهم ، فلو أوصيت بهم إلىّ أو إلى نظرائك من أهل بيتك ، لكفيتك مئونتهم إن شاء اللّه » فقال عمر : أجلسوني . فأجلسوه ، فقال : « الحمد للّه ، أبا للّه تخوّفنى يا مسلمة ! أما ما ذكرت من أنى فطمت أفواه ولدى عن هذا المال ، وتركتهم عالة » فإني لم أمنعهم حقّا هو لهم ، ولم أعطهم حقّا هو لغيرهم ؛ وأما ما سألت من الوصاة إليك ، أو إلى نظرائك من أهل بيتي ، فإن وصيتي بهم إلى اللّه الذي نزّل الكتاب ، وهو يتولّى الصالحين ، وإنما بنو عمر أحد رجلين : رجل اتقى اللّه ، فجعل اللّه له من أمره يسرا ، ورزقه من حيث لا يحتسب . ورجل غيّر وفجر ، فلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه ، ادعوا لي بنىّ ، فدعوهم ، وهم يومئذ اثنا عشر غلاما ، فجعل يصعّد بصره فيهم ويصوّبه ، حتى اغرورقت عيناه بالدمع ، ثم قال : « بنفسي فتية تركتهم ولا مال لهم ! يا بنىّ : إني قد تركتكم من اللّه بخير ، إنكم لا تمرون على مسلم ولا معاهد إلا ولكم عليه حقّ واجب إن شاء اللّه ، يا بنى ميّلت « 3 » رأيي بين أن تفتقروا في الدنيا ، وبين أن يدخل أبوكم النار ، فكان
هامش
( 1 ) نعشه كمنع وأنعشه : رفعه . ( 2 ) فقراء جمع عائل من عال يعيل عيلة ( بفتح العين ) أي افتقر . ( 3 ) التمييل بين الشيئين كالترجيح بينهما ، تقول العرب : إني لأميل بين ذينك الأمرين ، وأمايل بينهما أيهما آتى .