وفانيا بباق ، ألا ترون أنكم في أسلاب « 1 » الهالكين ، وسيخلّفها من بعدكم الباقون ، كذلك حتى تردّوا إلى خير الوارثين ، ثم أنتم في كل يوم تشيّعون غاديا ورائحا إلى اللّه ، قد قضى نحبه « 2 » وبلغ أجله ، ثم تغيّبونه في صدع « 3 » من الأرض ، ثم تدعونه غير موسّد ولا ممهّد ، قد خلع الأسباب ، وفارق الأحباب ، وواجه الحساب ، مرتهنا بعمله ، غنيا عما ترك ، فقيرا إلى ما قدّم ، وأيم اللّه إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي ، فأستغفر اللّه لي ولكم ، وما تبلغنا عن أحد منكم حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها ، ولا أحد منكم إلا وددت أن يده مع يدي ، ولحمتي « 4 » الذين يلوننى ، حتى يستوى عيشنا وعيشكم ، وأيم اللّه إني لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة « 5 » لكان اللسان منى ناطقا ذلولا ، عالما بأسبابه ، لكنه مضى من اللّه كتاب ناطق وسنة عادلة ، دل فيها على طاعته ، ونهى فيها عن معصيته » ، ثم بكى ، فتلقى دموع عينيه بطرف ردائه ، ثم نزل ، فلم ير على تلك الأعواد حتى قبضه اللّه .
( البيان والتبيين 2 : 60 ، والعقد الفريد 2 : 144 ، وتاريخ الطبري 8 : 140 ، وشرح ابن أبي الحديد م 1 : ص 470 ؛ والأغانى 8 : 152 ، وعيون الأخبار م 2 : ص 246 ، وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص 222 ، ولابن عبد الحكم ص 41 و 136 )
198 - خطبة أخرى
وروى أن آخر خطبة خطبها رحمه اللّه : حمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال :
« أيها الناس . الحقوا ببلادكم ، فإني أنساكم عندي ، وأذكركم ببلادكم ، ألا وإني قد استعملت عليكم رجالا ، لا أفول هم خياركم ، ولكنهم خير ممن هم شرّ منهم ، ألا فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علىّ « 6 » ، ألا وإني منعت نفسي وأهل بيتي هذا
هامش
( 1 ) جمع سلب بالتحريك : وهو ما يسلب .
( 2 ) النحب : الأجل ، والحاجة ، والنذر .
( 3 ) شق .
( 4 ) اللحمة : القرابة .
( 5 ) الغضارة : النعمة ، والسعة ، والخصب .
( 6 ) أي يدخل على بلا إذن ، لا يحول بيني وبينه حاجب .