181 - خطبة أخرى
وروى أنه لما دفن سليمان بن عبد الملك ، وخرج من قبره ، سمع للأرض رجّة ، فقال : ما هذه ؟ فقيل : هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين ، قرّبت إليك لتركبها ، فقال : ما لي ولها ؟ نحّوها عنى ، قرّبوا إلىّ بغلتي ، فقربت إليه فركبها . وجاءه صاحب الشّرطة يسير بين يديه بالحربة ، فقال : تنحّ عنى ، ما لي ولك ؟ إنما أنا رجل من المسلمين ، فسار وسار معه الناس ، حتى دخل المسجد ، فصعد المنبر ، واجتمع إليه الناس ، فقال :
« أيها الناس : إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأى كان منى فيه ، ولا طلبة له ، ولا مشورة من المسلمين ، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي ، فاختاروا لأنفسكم » .
فصاح الناس صيحة واحدة : قد اخترناك يا أمير المؤمنين ، ورضينا بك ، فل أمرنا باليمن والبركة ، فلما رأى الأصوات قد هدأت ، ورضى به الناس جميعا ، حمد اللّه ، وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال :
« أوصيكم بتقوى اللّه ، فإن تقوى اللّه خلف من كل شيء ، وليس من تقوى اللّه عزّ وجلّ خلف ، واعملوا لآخرتكم ، فإنه من عمل لآخرته كفاه اللّه تبارك وتعالى أمر دنياه وأصلحوا سرائركم ، يصلح اللّه الكريم علانيتكم ، وأكثروا ذكر الموت وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم ، فإنه هادم اللذات ، وإن من لا يذكر من آبائه فيما بينه وبين آدم عليه السلام أبا حيّا لمعرق في الموت ، وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها عزّ وجلّ ، ولا في نبيها صلى اللّه عليه وسلم ، ولا في كتابها ، وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم ، وإني واللّه لا أعطى أحدا باطلا ، ولا أمنع أحدا حقّا ، إني لست