قلت : انظر أيّها المتأمّل إلى نفاق رخيص الأدب في ذلك العصر ، وكساد غاليه في هذا العصر ؛ ويشهد اللّه أنّ البيت الّذي طلب حمّاد الرّاوية بسببه من بغداد إلى دمشق في اثنتي عشرة ليلة ، وأجيز عليه بالجاريتين والمائة ألف درهم ، تأنف نفسي أن أضعه في قصيدة من قصائدي لرخصه وسفالته وهو :
ودعوا بالصّبوح يوما فجاءت * قينة في يمينها إبريق
وكنت أودّ أن أكون في ذلك العصر ، ويسمع هشام بن عبد الملك قولي في هذا الباب من قصيدة قلتها :
في ليلة رقم البدر المنير لها * طارا به لعصا الجوزاء نقرات
وبان لي من لماه إذ تبسّم لي * تحت الضّفائر صبحات وغبقات
والرّاح دقّ على فهمي تصوّرها * لكن لها ضاع في الكاسات نفحات
كانت علامة تحقيقي ، وقال فمي * هي المنازل لي فيها علامات
مذ أنشأتنا سجعنا في محاسنها * مغرّدين وللإنشاء سجعات
هذا وأفواه كاساتي قد ابتسمت * ومازجتها ثغور لؤلؤيّات
ومن يقل حركات الهمّ ما سكنت * فللحباب على التّسكين جزمات
* * *
خالد الكاتب
قال ثعلب : ما أحد من الشّعراء تكلّم في اللّيل الطويل إلّا قارب ، ولكنّ خالدا الكاتب أبدع فيه فقال :
رقدت فلم ترث للسّاهر * وليل المحبّ بلا آخر
ولم تدر بعد ذهاب الرّقا * د ما صنع الدّمع بالنّاظر !
وقال بعض من كان يحضر مجلس المبرّد : كنا نختلف إليه فإذا كان آخر المجلس أملى علينا من طرف الأخبار وملح الأشعار ما نرتاح إلى حفظه ، فأنشدنا يوما مرثيّة زياد الأعجم في المغيرة بن الملّهب الّتي منها :
فإذا مررت بقبره فاعقربه * كوم الهجان وكلّ طرف سابح « 1 »
وانضح جوانب قبره بدمائها * فلقد يكون أخادم وذبائح
قال : فخرجت من عنده وأنا أديرها في لساني لأحفظها ، فإذا بشيخ قد خرج من
هامش
( 1 ) الشعر والشعراء 397 . كوم الهجان : الإبل البيض الكرام ، والطرف : الجواد الكريم ، والسابح :
السريع كأنه يسبح بقوائمه .