ومن المرويّ عنه ، قال بعض طلبة المبّرد : خرجت من مجلس المبرّد فلقيت خالدا الكاتب ، فقال : من أين ؟ قلت : من مجلس المبرّد ، قال : بل البارد ، ثم قال :
ما الذي أنشدكم اليوم ؟ قلت : أنشدني :
أعار الغيث نائله * إذا ما ماؤه نفدا
وإن أسد شكا جبنا * أعار فؤاده الأسدا
فقال : أخطأ قائل هذا الشّعر ، قلت : كيف ؟ قال : ألا تعلم أنه إذا أعار الغيث نائله بقي بلا نائل ، وإذا أعار الأسد فؤاد بقي بلا فؤاد ! قلت : فكيف كان يقول ؟ فأنشد :
علّم الغيث النّدى من يده * مذ دعاه ، علّم البأس الأسد
فإذا الغيث مقرّ بالندى * وإذا الليث مقرّ بالجلد
قال : فكتبتهما وانصرفت .
* * *
نادرة لطيفة
دخل أبو دلامة على المهديّ ، فأنشده قصيدة ؛ فقال : سل حاجتك . فقال : يا أمير المؤمنين ؛ هب لي كلبا ، قال : فغضب وقال : أقول لك : سل حاجتك فتقول :
هب لي كلبا ! فقال : يا أمير المؤمنين ، الحاجة لي أم لك ؟ فقال : بل لك ، فقال : إنّي أسألك أن تهب لي كلب صيد . فأمر له بكلب ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هبني خرجت للصّيد أأعدو على رجليّ ؟ فأمر له بدابّة ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ فمن يقوم عليها ؟
فأمر له بغلام ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ فهبني قد صدت صيدا ، وأتيت به المنزل ، فمن يطبخه ؟ فأمر له بجارية ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ فهؤلاء أين يبيتون ؟ فأمر له بدار ، فقال : يا أمير المؤمنين قد صيّرت في عنقي عيالا ، فمن أين لي أن أقوت « 1 » هؤلاء ؟ قال المهدي : أعطوه جريب « 2 » نخل ، ثم قال : هل بقيت لك حاجة ؟ قال :
نعم ؛ تأذن لي أن أقبّل يدك !
* * *
واعظ هشام بن عبد الملك
قدم هشام بن عبد الملك حاجّا إلى بيت اللّه الحرام ، فلمّا دخل الحرم ، قال :
ائتوني برجل من الصّحابة ، فقيل : يا أمير المؤمنين ؛ قد تفانوا ، قال : فمن التّابعين ، فأتي بطاووس اليمانيّ .
فلمّا دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ، ولم يسلّم بأمير المؤمنين ولم يكنّه ،
هامش
( 1 ) ط : « ما يقوت » .
( 2 ) الجريب : المزرعة .