إذا أبصرت قبرا من بعيد * وددت لو أنّني فيما يليه
ألا رحم المهيمن نفس حرّ * تصدّق بالوفاة على أخيه
وكان معه رفيق يقال له أبو عبد اللّه الصّوفيّ - وقيل : أبو الحسن « 1 » العسقلاني ، فلمّا سمع الأبيات ، اشترى له لحما بدرهم ، وطبخه . وأطعمه ، وتفارقا . وتنقّلت [ بالمهلبيّ ] « 2 » الأحوال ، وولي الوزارة ببغداد لمعزّ الدولة المذكور ، وضاقت الحال برفيقه الّذي اشترى له اللّحم في السّفر ، وبلغه وزارة المهلّبيّ فقصده ، وكتب إليه :
ألا قل للوزير فدته نفسي * مقال مذكّر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضيق عيش : * ألا موت يباع فأشتريه !
فلمّا وقف عليها تذكّر الحال ، وهزّته أريحيّة الكرم ، فأمر له بسبعمائة درهم ، ووقّع له في رقعته :
( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ )
[ البقرة : 261 ] . ثم دعا به فخلع عليه ، وقلّده عملا يرتفق منه « 3 » .
* * *
حمّاد الراوية
وذكر الحريريّ صاحب المقامات في كتابه المسمّى « بدرّة الغوّاص » « 4 » ما مثاله :
قال حمّاد الراوية : كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك بن مروان في خلافته ، وكان أخوه هشام يجفوني لذلك ، فلمّا مات يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام خفته ، ومكثت في بيتي سنة لا أخرج إلّا لمن أثق به من إخواني سرّا .
فلمّا لم أسمع أحدا يذكرني في السّنة ، أمنت وخرجت ، وصلّيت الجمعة في جامع الرّصافة ، فإذا شرطيّان قد وقفا عليّ ، وقالا : يا حمّاد ؛ أجب الأمير يوسف بن عمر الثّقفيّ - وكان واليا على العراق - فقلت في نفسي : من هذا كنت أخاف ! ثم قلت لهما : [ هل لكما أن ] « 5 » تدعاني حتّى آتي أهلي فأودّعهم [ وداع من لا يرجع إليهم أبدا ] « 6 » ، ثمّ أسير معكما ؟ فقالا : ما إلى ذلك من سبيل ؛ فاستسلمت في أيديهما ، ثم
هامش
( 1 ) كذا في ط ، ج ، وابن خلكان . وفي أ ، ب : « الحسين » .
( 2 ) زيادة من ابن خلكان .
( 3 ) يرتفق منه : يستعين به في حياته .
( 4 ) ابن خلكان 1 / 142 .
( 5 ) درة الغواص 110 ، 111 .
( 6 ) زيادة من درة الغواص .