الدار « 1 » ، واجتمع الناس ، واشتهر الأمر فقام واحد وشهر « 2 » سيفه ، وتقدّم إلى عيسى ليضربه ، فقال عيسى : لا تعجلوا ؛ فإنّ عمّي حيّ ، ردّوني إلى أمير المؤمنين فردّوه إليه ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ إنّما أردت بقتله قتلي ، هذا عمّك حيّ إن أمرتني بدفعه إليهم دفعته ، قال : ائتنا به . فأتى به فجعله في بيت فسقط عليه فمات .
وكان المنصور قد وضع في أساس البيت ملحا ، لمّا شرع في عمارته ، وأعدّه لهذا المعنى ، ولمّا جلس فيه عمّه أجرى الماء في أساس البيت سرّا بحيث لا يشعر به أحد ، فذاب الملح ، وسقط البيت .
وركب المنصور بعد موت عمّه ، وفي خدمته عبّاس ابن المتوفّى - وكان يباسطه « 3 » في كلّ وقت - فقال له المنصور وهو يحادثه : هل تعرف ثلاثة في أول أسمائهم عين ، قتلوا ثلاثة في أول أسمائهم عين ؟ قال : لا أعرف إلا ما تقول العامّة يا أمير المؤمنين ، قالوا : إنّ عليّا قتل عثمان - وكذبوا واللّه - وعبد الملك بن مروان قتل عبد اللّه بن الزّبير ، وسقط البيت على عمّ أمير المؤمنين !
قال : فضحك المنصور ، وقال : إذا سقط البيت على عمّي فما ذنبي ؟ قال :
قلت : ما لك ذنب يا أمير المؤمنين .
وقتل عبد اللّه كان بسبب البيعة التي تقدمت له مع السفّاح ، وشرحها يطول . انتهى .
* * *
ابن الدقاق البلنسي
ونقلت من خطّ قاضي القضاة شمس الدين بن خلّكان ما صورته : نقلت من خطّ القاضي كمال الدين بن العديم من مسوّدة تاريخه أن ابن الدقاق البلنسي ، الشاعر المشهور كان يسهر الليل ، ويشتغل بالأدب ، وكان أبوه حدّادا فقيرا فلامه أبوه وقال : يا ولدي نحن فقراء ، ولا طاقة لنا بالزّيت الذي تسهر عليه ، فاتّفق أنه برع في العلم والأدب ، وقال الشعر ، وعمل في أبي بكر بن عبد العزيز صاحب بلنسية قصيدة مطربة أولها :
يا شمس خدر مالها مغرب * وبدر تمّ قطّ لا يحجب
وقال منها :
ناشدتك اللّه نسيم الصّبا * أين استقرّت بعدنا زينب !
لم تسر إلّا بشذا عرفها * أو لا فماذا النّفس الطّيّب !
هامش
( 1 ) صحن الدار : وسطها .
( 2 ) أشهر سيفه وشهره : انتضاه فرفعه على غيره .
( 3 ) يباسطه : يكلمه ليدخل السرور على نفسه .