ومن ذلك حذف المفعول نحو قوله تعالى :
وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى
[ الضحى : 3 ] الأصل : وما قلاك ، ولكن حذفت الكاف لتوافق الفواصل .
ومن ذلك صرف ما لا ينصرف ، كقوله تعالى :
قَوارِيرَ
[ النمل : 44 ] صرفه بعض القرّاء السّبعة ليوافق فواصل السّورة الشّريفة . ولو تتبّع المتأمّل ذلك في الكتاب العزيز لوجده كثيرا .
ومما جاء من ذلك في الحديث قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أعيذه من الهامة والسّامة ، ومن كل عين لامّة » الأصل : عين ملمّة .
ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « مأزورات غير مأجورات » الأصل موزورات بالواو ، لأنه من الوزر ، ولكن همز ليوافق مأجورات .
ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « دعوا الحبشة ما ودعوكم ، واتركوا الشّرك ما تركوكم » . الأصل « ما وأدعوكم » ، ولكن حذفت الألف لتحصل الموافقة .
قلت : وهذا النّوع من المشاكلة ؛ لأنّ المشاكلة في اللّغة هي المماثلة ، وهي في المصطلح ذكر الشّيء بغير لفظه لموافقة القرائن ومشاكلتها ، كقوله تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] ، فالجزاء عن السّيئة في الحقيقة غير سيّئة ، والأصل :
وجزاء سيّئة عقوبة . ومنه قوله تعالى :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
[ المائدة : 116 ] والأصل تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما عندك ، لأن الحق تعالى وتقدّس لا تستعمل لفظة النّفس في حقّه ، إلا أنّها استعملت هنا للمماثلة والمشاكلة كما تقدّم . ومنه قوله تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
[ آل عمران : 54 ] والأصل :
وأخذهم اللّه .
وفي الحديث قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فإنّ اللّه لا يملّ حتّى تملّوا » الأصل : فإنّ اللّه لا يقطع عنكم فضله حتّى تملّوا من مسألته ، فوضع « لا يملّ » موضع « لا يقطع » لأجل المشاكلة ، وهو ممّا وقع فيه لفظ المشاكلة أولا ، ومنه قول الشّاعر :
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه * قلت : اطبخوا لي جبّة وقميصا
أراد : خيطوا لي جبّة وقميصا . وذكر بلفظ اطبخوا لوقوعه في صحبة طبخه .
* * *
البلاغة والفصاحة
قلت : ومن غايات الإنشاء البلاغة في المقاصد ، والبلاغة هي أن يبلغ المتكلم بعبارة كنه مراده مع إيجاز بلا إخلال ، وإطالة من غير إملال . والفصاحة خلوص الكلام من التّعقيد .