فكانت سيوفنا في القرب له حصنا وملاذا ، ولم يباشر في إخلاص الطاعة مما يقال له بسببه :
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا
[ يوسف : 29 ] .
وجاءت هداياه التي هبّت نسمات القبول على إقبالها وجنينا منها ثمار المحبة ، وجمل التفاصيل التي وشعها سناء الملك ببهجة ولم يترك لابنه في دار الطّراز رتبة .
والنمورة التي يحجم ابن فهد عن وصفها إذا قابل منها السواد والبياض بالمقلتين ، فإنها جمعت لنا من ليلها الحالك ونهارها الساطع بين الآيتين . والجواد الذي تميّز بأوصاف ما صاحب مجرى السوابق من الفحول التي تجاريها ، فإنه غرة في جباه الخيل التي قال قائد الغر المحجلين : « إن الخير معقود بنواصيها » . والسروج التي سمت عندنا على السّروجي بمقاماتها العالية ، ورأيناها أهلّة تغني عن الفجر فخضبنا كل سرج منها بالغاشية . والجوارح التي خشي النسر الطائر أن يصير منها واقعا وصدق فيما تفرّس ، وخافت الشمس لمّا تسمّت بالغزالة ولفّ سرحان الأفق ذنبه على خيشومه ولم يتنفّس .
والقوس الذي أصاب به أغراض المحبة ونال منها أوفر سهم ونصيب ، وجاء عبارة عن رأي مهديه وكلّ عندنا بحمد اللّه مصيب . وهو من الأشياء التي وقعت في محلّها ونحن نقيم دلائل ذلك وبرهانه ، فإن القوس إذا عانق سهامه بمصر علم أنه وصل إلى الكنانة .
وبالغ المقرّ الجمالي في نظم بديع الهدايا ونسخ الجفاء بكثرة رقيقه ، وأدار من أواني الصيني كؤوسا أترعها الود بسلاف رحيقه .
ودخلنا حلب المحروسة وأوصلناها ما استحقّ لها من ديوان الفتح علينا ، ورددنا ما اغتصب منها فقالت : هذه بضاعتنا ردّت إلينا ، وقد آثرنا الجناب بكرامة هذه البشارة التي استبشر بها وجه الزمان بعد قطوبه وتبسّم ، فإنه ركن من هذا البيت الشريف ونسيب مدحه المقدّم ، فيأخذ منها حظه ويثلج صدر البرايا ، ففيها لهم برد وسلام ، ويرعاهم بعين الرعاية ليضوع فيهم عرف العدل ويصير مسكا لهذا الختام .
واللّه تعالى يمتعه في ليله ونهاره من أخبارنا السارة بالأعياد والمواسم ، ويجعل له من صياغة أعماله إن شاء اللّه حسن الخواتم .
* * *
رحلة المؤلف من مصر إلى دمشق
قلت : ذكرت بهذه الرحلة أيضا رحلتي من الديار المصرية إلى دمشق المحروسة المحمية سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ه ، والملك الناصر قد خرج من الكرك ، ونزل عليها ، وتصدّى لحصارها وقد اجتمعت عليه العساكر المصرية والشامية ، وحدث بدمشق المحروسة ما حدث من القتال والحصار والحريق ، فكتبت إلى المقرّ