بالشّيخ الوجد ، فترك المجلس ونظم القصيدة المشهورة . قيل : إنّها اشتملت على سائر عبادات النّصارى ، ومواقيتهم ، وأسماء المعظّمين في دينهم .
وعدّه صاحب مصارع « 1 » العشّاق مع الّذين ماتوا غراما . وقال في كتابه الموسوم « بمصارع العشّاق » . أخبرنا القاضي أبو الفرج المعافي قال : أنشدنا أبو القاسم مدرك بن محمد الشّيبانيّ لنفسه في عمرو النّصرانيّ ، قال القاضي أبو الفرج ، وقد رأيت عمرا وقد ابيضّ رأسه :
من عاشق ناء هواه دان * ناطق دمع صامت اللّسان « 2 »
موثق قلب مطلق الجثمان * معذّب بالصّدّ والهجران
من غير ذنب كسبت يداه * غير « 3 » هوى نمّت به عيناه
شوقا إلى رؤية من أشقاه * كأنّما عافاه من أبلاه
يا ويحه من عاشق ما يلقى * من أدمع منهلّة ما ترقا
ذاب إلى أن كاد يفنى عشقا * وعن دقيق الفكر سقما دقّا « 4 »
لم يبق منه غير طرف يبكي * بأدمع مثل نظام السّلك
تطفيه نيران الهوى وتذكي * كأنّها قطر السّماء تحكي
إلى غزال من بني النّصارى * عذار خدّيه سبى العذارى
وغادر الأسد به حيارى * في ربقة الحبّ له أسارى
رئم بدار الرّوم رام قتلي * بمقلة كحلاء لا عن كحل
وطرّة بها استطار عقلي * وحسن وجه وقبيح فعل
رئم به أيّ هزبر لم يصد * يقتل باللّحظ ، ولا يخشى القود
متى نقلها ، قالت الألحاظ قد * كأنّها ناسوته حين اتّحد
[ ما أبصر النّاس جميعا بدرا * ولا رأوا شمسا وغصنا نضرا
أحسن من عمرو ، فديت عمرا * ظبي بعينيه سقاني خمرا
ها أنا ذا بقدّه مقدود * والدّمع في خدّي له أخدود
هامش
( 1 ) هو جعفر بن أحمد بن الحسين السراج ، أديب عالم بالقراءات والنحو واللغة ، وله كتاب مصارع العشاق ، ومناقب السودان وحكم الصبيان وغيره من الكتب توفي سنة 510 ه .
( 2 ) مصارع العشاق 341 - 345 ، معجم الأدباء 19 / 136 - 145 .
( 3 ) كذا في المصارع وياقوت ، وفي الأصول « لكن » .
( 4 ) في المصارع وياقوت .ناطقة وما أحارت نطقا * تخبر عن حبّ له استرقّا