بالنّديم ، وعشيمة الخمارة في يوم واحد ، فخرج للصّلاة عليهم ، فصفّوا بين يديه ، فقال : من الأول ؟ فقالوا : إبراهيم الموصليّ ، فقال أخّروه وقدّموا العبّاس بن الأحنف ، فقدّم وصلّى عليه ، فلمّا فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد اللّه الخزاعيّ ، وقال : يا أمير المؤمنين ، كيف آثرت العبّاس بالتّقديم على من حضر ؟ فقال بقوله :
وسعى بها قوم وقالوا إنّها * لهي الّتي تشقى بها وتكابد
فجحدتهم ليكون غيرك ظنّهم * إنّي ليعجبني المحبّ الجاحد
ثم قال أتحفظهما ؟ قلت : نعم ، قال : أليس من قال هذا الشّعر أولى بالتّقديم ؟
فقلت : بلى واللّه يا أمير المؤمنين .
قلت ويضارع هذا ما حكاه صاحب الأغاني : حكى أنّ رجلا أدّى شهادة عند بعض القضاة ، فقال القاضي : هل يعرفك أحد من ذوي العدالة ؟ قال : نعم ، فلان .
فلمّا حضر قال له القاضي : هل تعرف هذا ؟ قال : نعم أعرفه عدلا ، وما ذاك إلّا أنّي سمعته ينشد لجرير :
إنّ الّذين غدوا بلبّك غادروا * وشلا بعينك لا يزال معينا
غيّضن من أبصارهنّ وقلن لي * ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فعلمت أنّ هذا لا يرسخ إلّا في قلب مؤمن .
* * *
رقائق تقي الدين السروجي
وقال الشيخ أثير الدين أبو حيّان رحمه اللّه : كانت رقائق الشّيخ تقيّ الدّين السروجيّ تسلب العقول ، وكان يغنى بها في عصره ؛ لأنها في الطّريق الغراميّ غاية لا تدرك ، فمن ذلك قوله رحمه اللّه :
أنعم بوصلك لي فهذا وقته * يكفي من الهجران ما قد ذقته
أنفقت عمري في هواك وليتني * أعطى وصولا « 1 » بالّذي أنفقته
يا من شغلت بحبّه عن غيره * وسلوت كلّ النّاس حين عشقته
كم جال في ميدان حسنك فارس * بالسّبق فيك إلى رضاك سبقته
أنت الّذي جمع المحاسن وجهه * لكن عليه تصبّري فرّقته
قال الوشاة : قد ادّعى بك نسبة * فسررت لمّا قلت قد صدّقته
باللّه إن سألوك عنّي قل لهم * عبدي ، وملك يدي ، وما أعتقته
هامش
( 1 ) في د : « وصالا » .