الإنعام ؟ قال : افعل . فحمل الدّواة إلى أمير المؤمنين ، فوقّع بذلك . وخرج عليّ بن عيسى بالخلعة ، والتّوقيع بيده .
فلمّا حضر إلى داره ، حمل من المال عشرين ألف دينار . وأرسلها إلى غسّان ، وشكره على جميع فعله معه ، فقال غسان لكاتبه : واللّه ما شفعت عند أمير المؤمنين إلا لتوفّر عليه ، وينتفع بها ، فامض بها .
فلمّا ردّها كاتبه إلى عليّ بن عيسى ، علم قدر ما فعل معه غسّان فلم يزل يخدمه إلى آخر العمر « 1 » .
* * *
الخلف الصالح
ومن غريب ما يقتطف من ثمرات الأوراق أنّ عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه خلّف أحد عشر ابنا ، فأصاب كلّ ابن نصف وربع دينار ، وقال لهم عند وفاته : يا بنيّ ، ليس لي مال فأوصي فيه . وخلّف هشام بن عبد الملك أحد عشر ابنا فأصاب كلّ واحد من البنين ألف ألف دينار ، فأمّا أولاد عمر بن عبد العزيز فما رئي أحد منهم إلا وهو غنيّ ، ومنهم واحد جهّز من ماله مائة ألف فارس على مائة ألف فرس في سبيل اللّه تعالى ، وما رئي أحد من أولاد هشام بن عبد الملك إلّا وهو فقير ، ولقد شوهد أحدهم وهو يوقد في الأتون .
* * *
عبيد بن شرية عند معاوية بن أبي سفيان
قيل لمعاوية بن أبي سفيان . إنّ بالحيرة رجلا من بني جرهم ، قد عمّر ، ورأى أعاجيب ، فقال معاوية : عليّ به . فلمّا حضر قال : من الرجل ؟ قال : عبيد بن شرية .
قال : ثم ممّن ؟ قال : من قوم لم يبق منهم بقية . قال : فكم مضى من عمرك ؟ قال :
عشرون ومائتا سنة . قال : أخبرني بأعجب ما رأيت في عمرك ، قال :
نعم يا أمير المؤمنين ، كنت في حيّ من أحياء العرب ، فمات عندهم ميت يقال له عشير « 2 » بن لبيد العذريّ ، فمشيت في جنازته ، وتأسّيت بجماعته ، فلمّا دفن في قبره ، وأعول النّساء في أثره ، أدركتني عليه عبرة ، ولم أستطع ردّها ، وتمثلت بأبيات كنت سمعتها قديما ، وعلق الآن على خاطري منها هذه الأبيات : -
يا قلب إنك من أسماء مغرور * فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
هامش
( 1 ) المستجاد : 156 .
( 2 ) المستجاد : جبلة بن الحويرث . وفي معجم الأدباء : حويرث بن جبلة .