تعالى أولا ، ثم بقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ثانيا ، وأدّى المعنى ، وخرج من العهدة ! فكان خجل ابن عيسى أكثر من خجل حامد لمّا ابتدأه بالمسألة .
* * *
إسماح عبيد اللّه بن الحسن القاضي
ويضارع هذه الحكاية في لين بعض القضاة المتقشفّين وإذعانهم - مع الزّهد والتقشّف - للمستفتين ، ما نقلته من درّة الغوّاص « 1 » للحريريّ أيضا ، قال :
اجتمع قوم على شراب فتغنّى مغنيهم بشعر حسّان :
إنّ التي ناولتني فرددتها * قتلت - قتلت فهاتها لم تقتل « 2 »
كلتاهما حلب العصير فعاطني * بزجاجة أرخاهما للمفصل « 3 »
فقال بعضهم : امرأتي طالق إن لم أسأل الليلة عبيد اللّه « 4 » بن الحسن القاضي عن علّة هذا الشعر ، لم قال : « إنّ التي » فوحّد ، ثم قال : « كلتاهما » ، فثنّى ؟ فأشفقوا على صاحبهم ، وتركوا ما كانوا عليه « 5 » ، ومضوا يتخبّطون القبائل إلى بني شقرة « 6 » ، فوجدوا عبيد اللّه بن الحسن يصلّي ، فلمّا فرغ من صلاته قالوا له : « قد جئناك في أمر دعتنا إليه الضرورة ؛ وشرحوا له الخبر ، وسألوه الجواب » .
فقال مع زهده وتقشّفه : « إنّ التي ناولتني فرددتها » عنى بها الخمرة الممزوجة بالماء ، ثم قال : « كلتاهما حلب العصير » يريد الخمرة المتحلّبة من العنب ، والماء المتحلّب من السّحاب المكنّى عنه بالمعصرات في قوله تعالى :
( وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً )
« 7 » [ النبأ : 14 ] .
قال الحريري : [ هذا ما فسّره القاضي عبيد اللّه بن الحسن ، وكان ممن يرمق بالمهابة ، ولا يسمح بالدّعابة « 8 » ] ، وقد بقي في الشعر ما يحتاج إلى تفسيره ؛ أما قوله :
« إن التي ناولتني فرددتها قتلت قتلت » ؛ فإنه خاطب [ به ] « 9 » الساقي الذي ناوله كأسا
هامش
( 1 ) درة الغواص 83 .
( 2 ) ديوانه : 311 - 312 .
( 3 ) المفصل هنا كمبضع : اللسان ؛ وكمجلس : وأحد مفاصل الأعضاء .
( 4 ) عبيد اللّه بن الحسن : من أهل البصرة ، وقاضيها . قال ابن حيان : « من ساداتها فقها وعلما » .
تهذيب التهذيب 7 / 7 .
( 5 ) ط : « فيه » .
( 6 ) شقرة : قبيلة من ضبة .
( 7 ) سورة النبأ : 14 ، والزيادة من درة الغواص .
( 8 ) تكملة من ط .
( 9 ) درة الغواص 83 .