فعل من أحسّ من نفسه ذلا وضعة ، وإنا كما نملك أموركم نملك تأديبكم ، فأريدوا منا ما نريده منكم ، فإنه أبقى لكم ، وإلا قصرناكم كرها ، فكان أشدّ عليكم وأعنف بكم .
وقال معاوية لرجل من أهل سبأ : ما كان أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة ! فقال : بل قومك أجهل ! قالوا حين دعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الحق وأراهم البينات :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
. إلا قالوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ! ! قال : ولما سقطت ثنيتا معاوية لفّ وجهه بعمامة ، ثم خرج إلى الناس فقال :
لئن ابتليت لقد ابتلي الصالحون قبلي ، وإني لأرجو أن أكون منهم . ولئن عوقبت لقد عوقب الخاطئون قبلي ، وما آمن أن أكون منهم . ولئن سقط عضوان مني لما بقي أكثر . ولو أتى على نفسي لما كان لي عليه خيار ، تبارك وتعالى .
فرحم اللّه عبدا دعا بالعافية ، فو اللّه لئن كان عتب علي بعض خاصتكم لقد كنت حدبا على عامتكم .
ولما بلغت معاوية وفاة الحسن بن علي رضي اللّه تعالى عنهما ، دخل عليه ابن عباس فقال له معاوية : آجرك اللّه أبا عباس في أبي محمد الحسن بن علي ! ولم يظهر حزنا ، فقال ابن عباس : إنا للّه وإنا إليه راجعون ! وغلبه البكاء فردّه ثم قال : لا يسد واللّه مكانه جفرتك « 1 » ، ولا يزيد موته في أجلك ، واللّه لقد أصبنا بمن هو أعظم منه فقدا فما ضيعنا اللّه بعده ! فقال له معاوية :
كم كانت سنه ؟ قال : مولده أشهر من أن تتعرف سنه ! قال : أحسبه ترك أولادا صغارا ؟ قال : كلنا كان صغيرا فكبر ، ولئن اختار اللّه لأبي محمد ما عنده ، وقبضه إلى رحمته ، لقد أبقى اللّه أبا عبد اللّه ، وفي مثله الخلف الصالح .
هامش
( 1 ) الجفرة : ما يجمع البطن والجنين .