فمدح كما ترى الإطالة في موضعها ، والحذف في موضعه .
ومما يدل على شغفهم وكلفهم ، وشدة حبهم للفهم والإفهام ، قول الأسدي في صفة كلام رجل نعت له موضعا من تلك السباسب التي لا أمارة فيها ، بأقلّ اللفظ وأوجزه ، فوصف إيجاز الناعت ، وسرعة فهم المنعوت له ، فقال :
بضربة نعت لم تعد غير أنني * عقول لأوصاف الرجال ذكورها
وهذا كقولهم لابن عباس : أنّى لك هذا العلم ؟ قال : « قلب عقول ، ولسان سئول » . وقال الراجز :
ومهمهين قدفين مرتين * جبتهما بالنعت لا بالنعتين « 1 »
ظهراهما مثل ظهور الترسين * قطعته بالأمّ لا بالسمتين
وقالوا في التحذير من ميسم الشعر ، ومن شدة وقع اللسان ، ومن بقاء أثره على الممدوح والمهجو ، قال امرؤ القيس بن حجر :
ولو عن نثا غيره جاءني * وجرح اللسان كجرح اليد
وقال طرفة بن العبد :
بحسام سيفك أو لسانك والكلم * الأصيل كأرغب الكلم
قال : وأنشدني محمد بن زياد « 2 » :
لحيت شماسا كما تلحى العصي * سبّا لو أن السب يدمي لدمي
هامش
( 1 ) المهمة : القفر المخوف . القذف : البعيد . المرت : التي لا ماء فيها ولا نبات . وصف نفسه بالحذق والمهارة .
( 2 ) محمد بن زياد : هو الراوية المعروف بابن الأعرابي ، عاصر الجاحظ وقد أخذ عنه الكثير من الشعر واللغة ، توفي سنة 231 ه .