ما ينبغي أن يكون في الأرض رجل واحد أجهل منك ! وكان ابن فهريز في نفسه أكثر الناس علما وأدبا ، وكان حريصا على الجثلقة . فقال للفتى : وكيف حللت عندك هذا المحل ؟ قال : لأنك تعلم أنا لا نتخذ الجاثليق « 1 » إلا مديد القامة ، وأنت قصير القامة ، ولا نتخذه إلا جهير الصوت جيد الحلق ، وأنت دقيق الصوت رديء الحلق ، ولا نتخذه إلا وهو وافر اللحية عظيمها وأنت خفيف اللحية صغيرها ، وأنت تعلم أنا لا نختار للجثلقة إلا رجلا زاهدا في الرئاسة ، وأنت أشد الناس عليها كلبا ، وأظهرهم لها طلبا . فكيف لا تكون أجهل الناس وخصالك هذه كلها تمنع من الجثلقة ، وأنت قد شغلت في طلبها بالك ، وأسهرت فيها ليلك . وقال أبو الحجناء في شدة الصوت :
إني إذا ما زبّب الأشداق * والتجّ حولي النقع واللقلاق « 2 »
ثبت الجنان مرجم ودّاق المرجم : الحاذق بالمراجمة بالحجارة . والودّاق الذي يسيل الحجارة كالودق من المطر .
وجاء في الحديث : « « من وقي شرّ لقلقه وقبقبه وذبذبه وقي الشر » .
يعني لسانه وبطنه وفرجه .
وقال عمر بن الخطاب في بواكي خالد بن الوليد بن المغيرة : « وما عليهن أن يرقن من دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة » .
وجاء في الأثر : « ليس منا من حلق أو صلق ، أو سلق ، أو شق » .
ومما مدح به العماني هارون الرشيد ، بالقصيد دون الرجز ، قوله :
جهير العطاس شديد النّياط * جهير الرواء جهير النغم
ويخطو على الأين خطو الظليم * ويعلو الرجال بجسم عمم
هامش
( 1 ) ( الجاثليق : القسيس الأكبر ، ورتبته أسمى من رتبة المطران .
( 2 ) زبب الأشداق : ظهر عليها الزبد . اللقلقة : الصوت والجلبة .