بعلمه ، وينتهي إلى قدره ، لا إله إلّاه ، أحصى كلّ شيء عددا ، وأحاط بكلّ شيء علما ، وجعل لكلّ قدرا ، ومن أسباب قدره أن سهّل لي بعدك من الشّعر ما أخاطب به الشاهد وأكاتب الغائب ، وأجتدي به وأستزيد ، وأبلغ ما أريد ، وهو يؤنسني إذا أوحشت ، ويطيعني إذا عصيت ، ويصدع عنّي إذا شيت ، بليغ الخطبة ، جميل العشرة ، كريم الصّحبة ، يرد الأندية ، ويلج الأخبية ، سائرا في البلاد ، مسافرا من غير زاد ، راضيا إن رضيت ، مؤذيا إن أوذيت ، جازيا بما أوليت ، باقيا إذا أفنيت ، معترضا في الأسمار ، عالما بالأخبار ، ومعزّيا عن الأوتار ، يحضر إن غبت ، ويجسر إن هبت ، ولا يحظر بالحظر ، ولا يوزع بالزّجر ، إذا قيّد رتك ، وإذا أغمد بتك « 1 » ، وإذا جرّد فتك ، يلقح به الغزل ، ويعلّل به الثّمل ، ويأنس به الوجل ، وقد أتحفتك منه ببعض ما يجدّد عندك ذكرنا ، وتعرف به خبرنا ، وهو شعر قلته في مقام واحد لم أزل أعجب منه ، وسأصف لك المقام لتحمد اللّه تعالى عليه :
لمّا كان اليوم الذي وردنا نيسابور ، وقصدنا باب الأمير ، وقد احتشد لنا الناس ، وكان من قدّر ذلك يتوهّم مع الخبر الشائع الذي حملنا له أنّ الداعي علينا سيكثر ، وأنّ الشّامت بنا سيظهر ، إذ كنّا في حال لم يحمل على مثلها بابك ولا المازيار « 2 » ، وما منهما إلّا قد رأينا ؛ فبينا الناس كذلك إذ أقبل به في محمل قليل الوطاء ، مسلوب الغطاء ، فلمّا توسطنا الجماعة ، ونظروا إليه ، فلم يكن في ظاهره ما يسمج ، ولا في قديمه ما ينكر ، ولا في مساعيه ما ينقم ، ولا في قدر الذّنب الذي ذكر أنه فعله ما يبلغ به ذلك عند الناس ، وجد الوليّ إلى الدّعاء له بالخير سبيلا ، وساعده من حضر ، وارتجّ الجميع بالدعاء له ، فصار مانعي عليه
هامش
( 1 ) رتك : مشى باهتزاز ؛ وبتك : قطع .
( 2 ) بابك الخرّمي والمازيار من الثوار على الدولة العباسية ، أما الأول فإنه قتل ومثل به سنة 223 ( انظر الكامل في التاريخ 6 : 477 - 478 ) ، وأما الثاني فكان قدومه على سامراء سنة 225 ( انظر المصدر نفسه 6 : 510 - 516 ) .