تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
الأماني بتوقّع الأماني من النفوس صارت النفوس كلّها لا تمنع منها ، ولا تخلو من الذّهاب معها . والنفس الحيّة الحاسّة لا يجوز أن تبقى فارغة ممسكة عن جميع الأفعال ، فتكون هي والموتى سواء ، ومتى لم يحضر للقلب عزم على أمر معروف أو منكر في حاجة قائمة ، عاجلة وآجلة ، فلا بدّ للقلب من أن ينصرف إلى عمل من الأعمال ، وليس بعد الاعتزال إلّا المنى ، فقد صارت الأمنيّة من أكبر الآفات ، وأثبت الأركان ، وليس في طاقة القلب أن يكون أبدا محتملا لوحشة الفكر وثقل الاعتبار ، وللنظر في ملكوت السماوات والأرض ، ولكلّ يوم أجل ، ولكلّ استطاعة غاية ، فأطلق المباح ، وألزم الفرض ، وخيّر في النّفل وأرغب فيه ولم يفرضه ، وأعطى عليه الثواب ولم يوجبه ، وركّب الدنيا على الصّميمين والفصلين ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أنا أمزح ولا أقول إلّا الحق ، وقال : قد جئتكم بالحنيفيّة السّمحة غير القاسية ولا الغالية « 1 » ، وأمرت بالإفطار والصوم والصلاة والنوم ، ولو حمل الناس أنفسهم على حدّ الجدّ في كلّ حال ومرّ الحقّ في كلّ مذهب ، لانحلّت القوى ، وانتقضت المنن ، ولذلك قالوا : دين اللّه بين الغالي والمقصّر ، وقالوا : خير الأمور أوساطها ، وشرّ السّير الحقحقة ، وقالوا : بينهما يرمي الرامي ، وقالوا في المثل : لا تكن حلوا فتبلع ، ولا مرّا فتلفظ « 2 » ، ولولا أن النّفس مكدودة متعبة ومعنّاة نصبة من حين لا يعرف ، ومن ضربان عرق لا يفتر ، واختلاج عصب لا يسكن ، ومعالجة القلب الهموم ، ومدافعة الطباع الأغذية ، وطلب الاستمرار من تنفّس [ الرّئة ]
هامش
( 1 ) قارن بمسند أحمد 5 : 266 ( ولكني بعثت بالحنيفية السمحة ) و 2 : 116 و 233 ( إني أرسلت بحنيفية سمحة ) . ( 2 ) المثل في جمهرة العسكري 2 : 377 ( لا تكن مرّا فتعفى ولا حلوا فتزدرد ) والميداني 2 : 122 وفصل المقال : 316 ( لا تكن حلوا فتسترط ولا مرّا فتعفى ) والفاخر : 187 ( لا تكن حلوا فتزدرد ولا مرّا فتلفظ ) .