782 - قال أبو عثمان « 1 » :
إنّ اللّه تعالى قد قسم الصّنع بين جميع أفعاله :
محبوبها ومكروهها ، فأضحك وأبكى ، وأمات وأحيا ، وعافى وابتلى ، وعاقب وعفا ، ولم يعطّل البلاء من تكليف الصّبر ، كما لم يعطّل النّعمة من تكليف الشكر ، وجعل الشّكر لا ينال إلّا بالصّبر ، كما جعل الصّبر لا ينال إلّا بالعزم ، وجعل العزم لا ينال إلّا بالعلم ، كما جعل العلم لا ينال إلّا بالعقل ، وجعل الخيرة مقرونة بالمكروه ، كما جعل الشكر موصولا بالمزيد ، وجعل طول النّصب استنفادا للقوّة ، فجعلنا نعالج الجمام بالكدّ ، كما نعالج الكدّ بالجمام ، وكلّ ذلك ليردّنا إلى الاقتصاد ، ويعرّفنا أن الفضيلة في تعديل الأمور ، وجعل النسيان حظّا من الخيرة ، ولذلك قال الحسن : إن اللّه تعالى [ . . . . ] « 2 » ولولا ذلك لما انتفع النبيّون والصدّيقون بالعيش وهو الأمل والأجل والنسيان ، فجعل النسيان ركنا من أركان المصالح ، ولو اجتمع في حفظ الإنسان وذكره توقّع مكروه يجوز وقوعه ، وفوت كلّ مرجوّ يجوز فوته ، وذكر كلّ جناية جناها على من لا تؤمن مكافأته ، وجناها جان ثم عجز عن مجازاته ، ثم ذكر ذلّة المعجزة وخمول ذي القلّة ، وذكر مع ذلك كلّ قاذورة كانت منه في شبيبته ، وكلّ فسولة كانت منه في كهولته ، لشغله ذلك عن كسب ما لا بدّ منه من مرمّة دنياه ، وإصلاح أمر آخرته ، وكذلك صنيع اللّه في الجدّ والمزاح في إمتاعه بالمنى والضّحك وهما وإن كانا في ظاهر الأمر لا يعجّلان عليك نفعا معروف المكان ، فإنّهما يحدثان خيرا في باطن النفس ، ويثمران نفعا عند تعقّب الأمور ، لأنّ المنى استراحة وتفرّغ ، والضّحك سرور وتنشيط ، وفرق بين الأماني والآمال أنّ الآمال مقيّدة بالأسباب ، والأماني منطلقة لا يجوزها حدّ ، ولا يجلبها سبب ، وإصلاح موقع
هامش
( 1 ) ح : قال أبو العباس عثمان .
( 2 ) بياض في ح .