وأسرت إسارا بعد إسار ، واستمررت في الخزي « 1 » استمرارا بعد استمرار « 2 » ، وتلك حال من غضب اللّه عليه ، وأرسله من يده ، ووكله إلى حول خفيف ، ومتن « 3 » ضعيف ؛ لا أذاقك اللّه كرب هذه البلوى ، ولا أخلاك أبدا من متجدّد النّعمى .
واصرف ما استطعت همّتك عن هذا الظلّ القالص ، والزخرف الغاطل « 4 » ، والعيش الزائل ، إلى ما وعدك اللّه ، فإنّ إلهامه إيّاك متى صادف « 5 » طاعتك له ، ودعاءه لك متى وافق « 6 » إجابة منك ، مدّت السعادة « 7 » جناحها عليك ، وصافحت يد اليمن كفّك ، ونجوت من معاطب عالم « 8 » : الساكن فيه وجل ، والصاحي من أهله ثمل ، والمقيم على ذنوبه خجل ، والراحل عنه مع تماديه عجل ؛ وإنّ دارا هذا من آفاتها وصروفها ، لمحقوقة بهجرانها وتركها ، والصّدوف « 9 » عنها ، خاصة ولا سبيل لساكنها إلى دار قراره إلّا بالزهد فيها ، والرضى بالطفيف منها « كبلغة الثاوي وزاد المنطلق » « 10 » .
عرّفنا اللّه حظّنا ، وسلك بنا في طرق رشدنا ، وسلّ حبّ الدنيا من قلوبنا ،
هامش
( 1 ) ح ك ر : الجري .
( 2 ) بعد استمرار : سقطت من ك .
( 3 ) ح : ومين .
( 4 ) ك ر : والعاجل المزخرف .
( 5 ) ر : صادقت ؛ ح : صادفت .
( 6 ) ر ك ح : وافقت .
( 7 ) ك ر : السيادة .
( 8 ) من قوله : « عالم » حتى قوله « وزاد المنطلق » في نهاية الفقرة : نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج 8 : 251 عن البصائر .
( 9 ) ح : والعزوف .
( 10 ) مأخوذ من بيت للبحتري من قصيدته التي قالها في مدح صالح بن مخلد وهجاء يعقوب بن أحمد بن صالح بن شيرزاد سنة 262 ، والبيت بكامله :لو أنالت كان في تنويلها * بلغة الثاوي وزاد المنطلق( ديوان البحتري : 1472 ) .