البيان الثاني :
من وجوه :
أحدها : ان الترف الطبيعي للملك ، على ما يأتي ، إن شاء الله تعالى ، يكثر عوائد الدولة حتى لا يفي دخلها بخرجها ، ويزداد ذلك في الأجيال المتأخرة إلى أن يقصر العطاء عن تلك العوائد ويطالب صاحبها بحصر النفقات في الحروب . فلا يجد أربابها محيصا عن ذلك . فينزع ما بأيدي الكثير منهم لنفسه أو لبنيه وذوي صنائعه ، فيضعفون هم لذلك ، ويضعف هو بضعفهم .
الثاني : ان تقصير العطاء عن النفقات إذا كثر الترف ، يضطر السلطان إلى الزيادة فيه ، ومقدار الجباية لا يوفي بذلك ، وان زيد فيه باحداث المكوس بقي بعد محدودا ، فإذا وزع على الأعطيات ، وقد زيد فيها لما كثر من الترف ، نقص عدد الحماية « 30 » ، ثم لا يزال الترف يتزايد ، والأعطيات كذلك بسببه إلى أن يعود الجيش إلى أقل الاعداد ، فتضعف الحماية ، ويتجاسر على الدولة من يجاورها من الدول ، ومن تحت أيديها من العصائب ، ويتأذن الله تعالى بالفناء الذي كتبه على خليقته .
الثالث : ان الترف مفسد للخلق بما يوهم في النفس من ألوان الشر والسفسفة ، فتذهب منهم خلال الخير التي كانت علامة على نيل الملك ، ويتصفون بنقيضها من خلال الشر الدالة على الادبار والانقراض وتأخذ الدولة مبادئ العطب ، وينزل بها امراض مزمنة من الهرم إلى أن يقضى عليها .
قلت : هو معنى قول أفلاطون : إذا أقبلت المملكة خدمت الشهوات « 31 » العقول ، وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات ، لأنه لا حامل على الترف الا حب الشهوات « 32 » .
البيان الثالث :
ان الدعة الطبيعية للملك ، على ما يأتي ، إن شاء الله تعالى ، تصير عند اتخاذها مألفا وخلقا وجبلة ، شأن العوائد كلها . فتنشأ
هامش
( 30 ) س : الحامية .
( 31 ) س : الشهوة .
( 32 ) ورد النص في مخطوط سياسة الملوك من كلام أفلاطون : الافلاطونيات ص 1 .