الغبار الذي تكاثف وحجب الرؤية عن مفكر اجتماع سياسي من أكبر مفكري الاسلام وهو أبو عبد الله محمد بن علي المشهور بابن الأزرق في كتابه ( بدائع السلك في طبائع الملك ) . وهو الكتاب الذي نقدمه اليوم للباحثين ، وهو كتاب لا يقل في تكامله ، ولا في منهجيته عن مقدمة ابن خلدون . وسيرى القارئ ، انه وان كان ابن الأزرق قد استند على مقدمة ابن خلدون ، وهي لازمة منهجية لمفكر توفى بعد ثمانين سنة من وفاة ابن خلدون ، غير أنه خطا ، بالنظريات الاجتماعية السياسية لدى المسلمين ، خطوات أوسع ، ووصل بهذه النظريات ، إلى مرحلة نضج ، ومزج بين نظريات ابن خلدون ونظريات أخرى سياسية اسلامية ، تستند على اتجاه آخر ، يخالف اتجاه ابن خلدون السياسي البحت ، وهو علم الاخلاق السياسي ، وهو علم لم يحظ عند ابن خلدون بمكانة واسعة ، ورأى ابن الأزرق ان يضع له مكانا في علم الاجتماع السياسي ، فحاول ان يوفق بين نظريات ابن خلدون ، ونظريات ابن رضوان والطرطوشي . كما اننا لا نستطيع ان ننسى وسيتبين هذا للقارئ ان كتاب ابن الأزرق ، يكشف لنا عن مصادر مقدمة ابن خلدون ، فبينما كان ابن خلدون « كتوما » إلى أكبر حد ، يستخدم نظريات غيره ، ويستند على مآخذ متعددة لا يذكر صاحبها ، ويدل بنفسه ، على أول من توصل إليها ، نرى ابن الأزرق ، وهو أولا وقبل كل شيء فقيه أخلاقي ، وراوية حديث متثبت ، وقاض من قضاة المسلمين ، يذكر مصادره بأمانة وصدق ، ولا يكتم مآخذه ولا منابعه ، أو بمعنى أدق يعطي لكل ذي حق حقه ، ويعبر عن آرائه هو بالصيغة المشهورة ( قلت ) بل ما أكثر ما ذكر حتى في ( قلت ) هذه مصادره هو نفسه .
بدائع السلك في طبائع الملك — صفحة 6
مساهمون: محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
ص٦