[ الجزء الأول ]
مقدمة المحقق
اما بعد :
فاني أقدم للمكتبة العربية ، ولأول مرة ، أعظم كتاب في علم الاجتماع السياسي لدى المسلمين ، لقد أثبتت هذه الوثيقة النادرة التي اقدمها اليوم للقارئ الانساني ، صحة ما أعلنته منذ سنوات خلال عملي الجامعي الطويل في جامعة الإسكندرية ، ان عبد الرحمن بن خلدون « في مقدمته المشهورة » لم يكن سوى حلقة في سلسلة طويلة ، ولم يكن سوى غصن في شجرة باسقة ، هي سلسلة الفكر الاسلامي المتكامل ، وشجرة التراث الأشعري اليانع .
ما من فكرة أو نتيجة توصل إليها ، الا ونجدها لدى السابقين من مفكري الاسلام : الدولة والعصبية والعوارض الذاتية ، نجدها من قبل في الشوكة لدى المسعودي والغزالي « وعوارض السياسة » لدى الماوردي وغيره من مفكري الأشاعرة ، وحوادث التاريخ وعوارضه لدى من سبقه من مؤرخين متعددين وما من نتيجة أو مسلمة توصل إليها ، والا نجد لها مثيلا من قبل .
وقررت أيضا انه طبق على هذا كله المنهج الاستقرائي الاسلامي الذي نضج من قبل لدى الأصوليين والمتكلمين والفقهاء . لم يكن ابن خلدون العبقرية الوحيدة ، و « الظاهرة الفريدة » ، في الفكر الاسلامي . بل كانت له براعته المنهجية ، واصالته الخاصة ، ولكن كواحد من المفكرين أو كعضو في أسرة كبيرة ، تضافرت على إقامة حضارة اسلامية وفكر اسلامي في شتى المجالات .
كان ابن خلدون « مسبوقا » وها هو ذا البرهان القاطع انه لم يكن عبقرية فريدة ، وانبثاقا عن عوامل خاصة ، وانه لم يكن ظاهرة وحيدة . ها هو ذا الدليل على أنه كان أيضا « ملحوقا » . وان استمرارية المدرسة الأشعرية في علم الاجتماع السياسي وفي تطبيق المنهج الاستقرائي التجريبي على الظواهر الاجتماعية والسياسية والأخلاقية انما هو حقيقة مؤكدة . وذلك حين نكشف