وفي الصحيح « الحرب خدعة » أي ينقضي أمره بخدعة واحدة .
قال الزركشي « 251 » : المعنى أن المماكرة في الحرب أنفع من المكابرة .
إذا تقرر هذا ، فقد نذكر من ذلك جملة :
المكيدة الأولى : وهي أهم ما يبدأ به قبل القتال ، بث الجواسيس الثقاة في عسكر العدو وبلاده لتعرف أخبارهم مع الساعات وما عندهم من العدة والعدد ، وما لهم من المكائد والحيل ، وكم عدد رؤسائهم وشجعانهم وما منزلتهم عند صاحبهم ، ويدس إليهم ما يخدعون به من صلة أو ولاية ، حتى يغدروا صاحبهم ، أو يهربوا عنه ويخذلوه ، عند لقائه .
قال الطرطوشي : ووجوه الحيل لا تحصى والحاضر فيها أبصر من الغائب » « 252 » .
المكيدة الثانية : أن يلقى على السنة كبراء العدو أنهم يكاتبون بالخدمة ووعد الوفاء باظهارها ، ويشاع ما يزور من ذلك ، لتقوى به القلوب ويتحدث الناس بمضمونه ، وإذا بلغ العدو ذلك ، لا بد أن يتأثر له ، وان علم كذبه ، وكذا فيما يرسل إليهم ، كأنه جواب ما وصل منهم .
المكيدة الثالثة : أن يعمى الاخبار عن العدو ، ويسد دونه أبواب العلم بها حتى لا يطلع على ما يحمله على اغتنام فرصة ، أو يحاول به ابطال مكيدة عليه ، وذلك باذكاء العيون على الجواسيس المترددة اليه في مراصد العثور ( 253 ) عليهم ، وأماكن الشعور بهم . وانظر إلى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حين توجه إلى فتح مكة « اللهم أعم عن قريش الاخبار » .
هامش
( 251 ) الزركشي ( 745 ه - 794 ه ) : محمد بن بهاذر بن عبد الله الزركشي ، أبو عبد الله ، بدر الدين . تركي الأصل . عالم متضلع في فقه الشافعية والأصول . صنف في عدة فنون . من كتبه : ( الإجابة لايراد ما استدركته عائشة عن الصحابة ) و ( البحر المحيط في أصول الفقه ) و ( الديباج في توضيح المنهاج ) و ( التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح ) .
انظر : الدرر الكامنة ج 3 ص 397 . شذرات الذهب ج 6 ص 33 المجلد 1 . كشف الظنون ص 125 ، 226 .
( 252 ) سراج ص 174 .