حتى مات بعد أيام قلائل ، وما قتل بعده أحدا ، وقالوا عناه جرير بقوله :
يا ربّ ناكث بيعتين تركته * وخضاب لحيته دمّ الأوداج « 1 »
وكان الحجاج إذا نام رأى سعيدا متعلقا بثوبه ، ويقول له :
يا عدو اللّه ، فينتبه ، ويقول * ما لي ولسعيد بن جبير
وكان لسعيد يوم قتل ، سبع وأربعون سنة ، وقيل خمس وأربعون .
والحجاج أول من حمل الثلج ، وأول من أطعم على ألف مائدة على كل مائدة عشرة رجال . وعليها جنب شواء وثريدة « 2 » وسمكة وبرنية « 3 » فيها عسل ، وكان يقول للناس رسولي إليكم الشمس فإذا زالت فاغدوا لغدائكم ، وإذا جنحت « 4 » فروحوا لعشائكم وكان لا يطعم الا شاميا ، وهو أول من أجاز بألف ألف درهم ، أجاز الجحاف السلمى فيما حمل من دماء بنى تغلب ، وهو أول من قعد على سرير في حرب ، وروى أن مصعبا كان يقاتل أهل الشام ومعه سبعة ، وكان يكر عليهم فينفرجون عنه . فيجلس على مرفقة « 5 » فيروحون اليه . فيعود إليهم فيتفرقون عنه ، فيجىء ويجلس على المرفقة ، فما زال ذلك دأبه حتى زرقه زائدة فصرع .
ومن كلام الحجاج وهو من أوائل المعاني ، ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهري عن أبي زيد عن أحمد بن معاوية عن محمد بن حرب عن الشعبي قال : صعد الحجاج المنبر ، فتكلم بكلام لم أسمعه من أحد قبله ولا بعده ، قال : أيها الناس كتب اللّه على الدنيا الفناء ، فلا بقاء لما كتب اللّه عليه الفناء ،
هامش
( 1 ) الأوداج جمع ودج وهو عرق العنق ينتفخ عند الغضب وهما ودجان ويشترط الفقهاء قطعهما عند الذبح حتى تحل الذبيحة .
( 2 ) الثريد طعام من خبز تفته وتبله بالمرق .
( 3 ) البرنية إناء من خزف .
( 4 ) جنحت الشمس مالت للغروب .
( 5 ) المرفقة المخدة .