تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثال المولدة — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
وينبغي لي أن أفيض في أمر هذه المناظرة ووجوه الكيد لأبي بكر فيها ، فأقول : إنّه ورد على نيسابور بديع الزمان الهمذاني ، وكان قد سلب في الطريق إليها ، فكتب رقعة إلى أبي بكر فاستقبله في داره استقبالا لم يرض عنه بديع الزمان ، فقد كان يريد من أبي بكر أن يقوم له عن مجلسه قياما تاما ، وكان أبو بكر يرى أنّه قد أجلّه بما فيه الكفاية ، ولم يرفع عليه في المجلس أحدا سوى رجل من ذريّة رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلّم ) ، مما جعل في نفس بديع الزمان - وهو لم يخل من سكر الشباب بعد - شيئا أقرب ما يكون إلى الاعتقاد بأنه لم يوفّ حقّه . ويلفت النظر في هذه المسألة برمّتها أنّ بديع الزمان وهو ابن أربع وعشرين سنة يوم جاء إلى نيسابور سنة 382 ه يريد من أبي بكر أن يوفّيه فضله ثم ينسى أن لأبي بكر من الفضل والسنّ ما يجعلان استقبال أبي بكر إياه في داره على غير معرفة سابقة تشريفا . وإلّا فمن هو بديع الزمان - يومئذ - إزاء مكانة أبي بكر وفضله ؟ ترى أكان بديع الزمان يجهل هذا الأمر ، أم أنّ هنالك جماعة من خصوم أبي بكر في نيسابور يستغلّون حداثة سنّ بديع الزمان وإعجابه الزائد بنفسه فيدفعون به إلى حيث يريدون ؟ أمّا بديع الزمان - وهو يكاد يكون المصدر الوحيد في رواية ما وقع له مع أبي بكر - فيعترف بأنّ طائفة من الناس كانت تسعى إليه بما يتفوّه به أبو بكر ، وبلغ البديع من تصديق ما ينقل إليه أن كتب إلى أبي بكر رقعة يتهمه فيها بالتعالي عليه ، وبلغ أبو بكر - على ما يبدو - من الضيق بهذه المسألة