احتضر ، فأوصى به سليمان خيرا ، فصيّره في جملة سمّاره . فدخل الفرزدق ذات يوم على سليمان فقال له : يا أبا فراس أنشدني - وإنما أراد أن ينشده مديحا فيه - فأنشأ الفرزدق يقول :
وركب كأنّ الريح تطلب عندهم * لها ترة من جذبها بالعصائب « 1 »
سروا يركبون الرّيح وهي تلفّهم * إلى شعب الأكوار ذات الحقائب « 2 »
إذا أبصروا نارا يقولون : ليتها ، * وقد خصرت أيديهم ، نار غالب « 3 »
فتمعّر سليمان واربدّ لمّا ذكر الفرزدق غالبا ، فوثب نصيب فقال :
ألا أنشدك على رويّه مالا يقصّر عنه « 4 » :
أقول لركب صادرين تركتهم * قفا ذات أوشال ومولاك قارب « 5 »
هامش
( 1 ) ديوان الفرزدق 30 والكامل 104 وأمالي القالى 3 : 40 والأغانى 1 : 130 الترة : الوتر والثأر . والعصائب : جمع عصابة ، وهي العمامة وكل ما يعصب به الرأس . وفي اللسان ( عصب 92 ) : « تطلب منهم لها سلبا » . وقال : « أي تنقض لي عمائمهم من شدتها ، فكأنها تسلبهم إياها » .
( 2 ) سروا : ساروا ليلا . والشعب : جمع شعبة ، ولكل رحل شعبتان من قدام في أعلاه . والأكوار : جمع كور ، بضم الكاف ، وهو الرحل بأداته . والحقائب : جمع حقيبة ، وهي كالبرذعة على عجز البعير . عنى أن الريح من شدتها تضطرهم إلى أن يلتزموا الشعب التزاما فكأنهم ملتفون بها .
( 3 ) خصرت أيديهم : لحقها الخصر ، وهو بالتحريك : برد يجده المرء في أطرافه . وغالب هو غالب بن صعصعة والد الفرزدق ، وكان من أجواد العرب ، فنار قراه يتمناها الضيفان ، لطمعهم فيما يلقون من وفرة القرى .
( 4 ) كلمة « عنه » ساقطة من م .
( 5 ) صادرين : قد صدروا عن الورد صدرا وصدرا وصدورا ، أي رجعوا . قفا ذات أوشال ، أي وراءها . وذات أو شال : موضع بين الحجاز والشام ، كما في معجم ما استعجم 212 ولم يذكره ياقوت . وأصل الوشل الماء القليل يتحلب من جبل أو صخر ثم يتجمع فيساق إلى المزارع . ومولاك ، يعنى به نفسه . والقارب : طالب الماء المجد في أن يقرب منه ليرده . وفعله أقرب ، على غير قياس .