فقلت : فلم لا تهجو كما تمدح وقد أقرّت الشعراء لك في المدح ؟ قال : تراني لا أحسن أقول مكان عافاه اللّه أخزاه اللّه ! ولكنّى أدع الهجاء لخلّتين : إمّا لأهجو كريما فأهتك عرضه وإمّا أهجو لئيما لطلب ما عنده فنفسى أحقّ بالهجاء إذ سوّلت إلى لئيم « 1 » . قال : ثم إنّ بنى عمّ مولاه اجتمعوا إلى مولاه فقالوا :
إنّ عبدك هذا قد نبغ بقول الشعر ، ونحن منه بين شرّتين « 2 » : إما أن يهجونا فيهتك أعراضنا ، أو يمدحنا فيشبّب بنسائنا ، وليس لنا في شيء من الخلتين خيرة « 3 » . فقال له مولاه : يا نصيب ، أنا بائعك لا محالة ، فاختر لنفسك . فسار إلى عبد العزيز بن مروان بمصر ، فدخل إليه في زوّاره فأنشده :
لعبد العزيز على قومه * وغيرهم منن ظاهره « 4 »
فبابك أسهل أبوابهم * ودارك مأهولة عامره « 5 »
وكلبك أرأف بالزائرين * من الأمّ بابنتها الزائره « 6 »
وكفّك حين ترى المعتفي * ن أثرى من الليلة الماطرة « 7 »
هامش
( 1 ) كذا وردت « أهجو » الأخيرة بطرح اللام . وسولت ، معناه حببت وزينت ، ومفعوله محذوف ، أي حاجة إلى لئيم ، ولسول مفعول آخر يتعدى إليه الفعل باللام ، محذوف أيضا أي سولت لي ، فقد سار في ذلك على تضمين الفعل معنى أحوج .
( 2 ) الشرة ، بالكسر : النشاط . وكذا وردت في معجم الأدباء 19 : 228 حيث وردت القصة . ولا موجب لتصحيحها بشرين .
( 3 ) الخيرة بالكسر والخيرة كعنبة : الاختيار . وفي جميع الأصول : « سيرة » . والوجه ما أثبت من معجم الأدباء ، وبذلك صححها الشنقيطي في نسخته .
( 4 ) في الحيوان 1 : 382 والشعر والشعراء ومعجم الأدباء وديوان المعاني 1 : 33 :
« منن غامره » . وفي الأغانى 1 : 129 : « نعم غامره » . والأبيات نسبت في الحيوان وديوان المعاني إلى « عمران بن عصام » ، ثم قال العسكري : « ويروى لنصيب » .
( 5 ) في جميع المراجع ما عدا معجم الأدباء : « ألين أبوابهم » .
( 6 ) الحيوان والشعراء وديوان المعاني : « آنس بالمعتفين » .
( 7 ) ديوان المعاني « الممطرة » ، ولا يستقيم بها الشعر .