لنظر إلى مجانين وصفوا لنا فيه ، فرأيت منهم عجائب ، حتّى انتهينا إلى شابّ جالس حجرة منهم « 1 » ، نظيف الوجه والثّياب ، على حصير نظيف ، بيده مرآة ومشط ، وهو ينظر في المرآة ويسرّح لحيته ، فقلت : ما يقعدك هاهنا وأنت مباين لهؤلاء ؟ فرفع طرفا وأمال آخر وأنشأ يقول :
اللّه يعلم أنّنى كمد * لا أستطيع أبثّ ما أجد « 2 »
نفسان لي : نفس تقسّمها * بلد وأخرى حازها بلد « 3 »
وإذا المقيمة ليس ينفعها * صبر وليس لأختها جلد « 4 »
وأظنّ غائبتى كشاهدتى * بمكانها تجد الذي أجد
فقلت له : أراك عاشقا . قال : أجل . قلت : لمن ؟ قال : إنّك لسئول .
قلت : محسن إن أخبرت . قال : إنّ أبى عقد لي على ابنة عمّ لي نكاحا فتوفّى قبل أن أزفّها « 5 » ، وخلّف مالا عظيما ، فقبض عمّى على جميع المال وحبسني في هذا الدّير ، وزعم أنّى مجنون ؛ وقيّم الدّير في خلال ذلك يقول لنا : احذروه ، فإنّه الآن يتغيّر ! ثم قال لي : باللّه أنشدني شيئا فإنّى أظنّك من أهل الأدب .
فقلت لرفيقى : أنشده . فأنشأ يقول :
قبلت فاها على خوف مخالسة * كقابس النّار لم يشعر من العجل « 6 »
هامش
( 1 ) يقال : قعد حجرة وحجرا ، بفتح الحاء فيهما ، أي ناحية .
( 2 ) أي لا أستطيع أن أبت ، وحذف « أن » مع رفع الفعل مذهب أجازه الأخفش .
الصبان 3 : 215 . وقرئ : « تأمروني أعبد » بالرفع في « أعبد » . وبث الخبر : نشره .
( 3 ) في العقد والبلدان : « تضمنها » .
( 4 ) في العقد : « وليس يفوقها » . البلدان : « وليس يضرها » .
( 5 ) ضبطت في م : « أزفها » بضبط البناء للمفعول ، ولم يرد تعدية الفعل مجرده أو مزيده إلى مفعولين .
( 6 ) روى بدلها في العقد والبلدان وذم الهوى أبيات أخرى مضمومة الروى ، أولها :لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم * ورحلوها وسارت بالدمى الإبل