تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمالي ( مع كتابي ذيل الأمالي والنوادر ويليهم كتاب التنبيه مع أوهام أبي علي في أماليه لعبد الله الأندلسي ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
متفقان غير أن أبا عبيدة قال : لبعض ملوك اليمن . وقال ابن الكلبي : لذي رعين . قال : مات أخ لذي رعين فعزّاه بعض أهل اليمن فقال : إن الخلق للخالق ، والشّكر للمنعم ، والتسليم للقادر ، ولا بدّ مما هو كائن ، وقد حلّ ما لا يدفع ، ولا سبيل إلى رجوع ما قد فات ، وقد أقام معك ما سيذهب عنك وستتركه ، فما الجزع ممّا لا بدّ منه ، وما الطّمع فيما لا يرجى ، وما الحيلة فيما سينقل عنك أو تنقل عنه ، وقد مضت لنا أصول نحن فروعها ، فما بقاء الفرع بعد الأصل ! فأفضل الأشياء عند المصائب الصبر ، وإنما أهل الدنيا سفر لا يحلّون عن الرّكاب إلا في غيرها ، فما أحسن الشّكر عند النّعم والتسليم عند الغير ! فاعتبر بمن قد رأيت من أهل الجزع ، هل ردّ أحدا منهم إلى ثقة من درك ؟ واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف ، فأفق والمرجع قريب ، واعلم أنّما ابتلاك المنعم وأخذ منك المعطي ، وما ترك أكثر ، فإن نسيت الصبر فلا تغفل عن الشكر . [ 1157 ]

[ عزاء بعض الأعراب لآخر في أخيه ] :

وحدثنا أبو بكر ، قال : حدثنا سعيد بن هارون الأشنانداني ، عن التوزي ، عن أبي عبيدة ؛ قال : عزّى رجل من العرب رجلا على أخيه فقال : محبوب فائت ، وغنم عارض ، إن ضيّعته فات أيضا وبقيت حسيرا ، أمّا أخوك فلا أخوك ، فلا يذهب بك جزعك فتحطّ سوددك ، وتقلّ ثقة عشيرتك باضطلاعك بالأمور ، وفي كثرة الأسى عزاء عن المصائب . [ 1158 ]

[ التهنئة على الثواب أولى من التعزية على المصيبة ] :

وحدثنا أبو بكر قال : أخبرنا عبد الرحمن ، عن عمه ؛ قال : سمعت عمي يقول : التّهنئة على آجل الثواب أولى من التّعزية على عاجل المصيبة . [ 1159 ]

[ عزاء الوفود لسلامة ذي فائش في ابنه ] :

وحدثنا أبو بكر بن الأنباري قال : حدثنا عمي ، عن أبيه ، عن ابن الكلبي ، عن أبيه ؛ قال : نشأ لسلامة ذي فائش ابن كأكمل أبناء المقاول ، وكان به مسرورا يرشّحه لموضعه ، فركب ذات يوم فرسا صعبا فكبا به فوقصه ، فجزع عليه أبوه جزعا شديدا وامتنع من الطعام واحتجب عن الناس ، واجتمعت وفود العرب ببابه ليعزّوه ، فلامه نصحاؤه في إفراط جزعه ، فخرج إلى الناس فقام خطباؤهم يؤسّونه ، وكان في القوم الملبّب بن عوف بن سلمة بن عمرو بن سلمة الجعفي ، وجعادة بن أفلح بن الحارث . وهو جدّ الجراح بن عبد اللّه الحكمي صاحب خراسان . فقام الملبّب فقال : أيها الملك ، إنّ الدنيا تجود لتسلب ، وتعطي لتأخذ ، وتجمع لتشتّت ، وتحلي لتمر ، وتزرع الأحزان في القلوب ، بما تفجأ به من استرداد الموهوب ، وكلّ مصيبة تخطّأتك جلل ، ما لم تدن الأجل ، وتقطع الأمل ، وإن حادثا ألمّ بك ، فاستبدّ بأقلّك وصفح عن أكثرك لمن أجلّ النّعم عليك ! وقد تناهت إليك أنباء من رزئ فصبر ، وأصيب فاغتفر ، إذ كان شوى فيما يرتقب ويحذر ، فاستشعر اليأس مما فات إذ كان ارتجاعه ممتنعا ، ومرامه مستصعبا ، فلشيء ما ضربت الأسى ، وفزع أول الألباب إلى حسن العزاء .