وتبعه في ذلك أبو تمّام فقال :
ما زال يهذر بالمكارم والنّدى * حتى ظننّا أنه محموم « 1 »
الهذر : الهذيان ، يقال : رجل مهذار .
فعلى هذا المنوال نسج أبو الطيّب بيته ، فأراد أنه يفرط في الجود حتى ينسبه الناس إلى الجنون ، ولو كان بيت المال ممّا يصحّ منه الكلام لقال : ما ذا مسلما ؛ لأنه فرّق أموال المسلمين ، ويجوز أن يكون أراد : ويقول خزّان بيت المال ، فحذف المضاف ، كما حذف في قوله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
« 2 » .
والأصل في هذا قول أعرابىّ ، فيما أنشده الجاحظ في كتاب الحيوان « 3 » :
حمراء تامكة السّنام كأنّها * جمل بهودج أهله مظعون
جادت بها عند الوداع يمينه * كلتا يدي عمر الغداة يمين
ما كان يعطى مثلها في مثله * إلّا كريم الخيم أو مجنون
الخيم : السّجيّة . والهاء في « مثله » تعود على الوداع ، أي في مثل ذلك الوقت .
* * * من العرب من يذكّر السّماء ، وفي تذكيرها وجهان : أحدهما أنها جمع سماوة ، كسحاب وسحابة ، ونخل ونخلة . وهذا الضّرب من الجمع قد ورد فيه التذكير والتأنيث ، فالتذكير في قوله تعالى :
وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ
« 4 » و
أَعْجازُ نَخْلٍ
هامش
( 1 ) ديوانه 3 / 291 ، يمدح محمد بن الهيثم بن شبانة . ورواية الديوان : « يهذى » . وانظر أخبار أبى تمام ص 32 .
( 2 ) سورة يوسف 82 .
( 3 ) 3 / 107 ، 6 / 245 ، من غير نسبة . والأبيات تنسب إلى يزيد بن الطثرية . انظر شعره ص 93 ، وإلى عبيد بن أيوب العنبري ، انظر شعره ضمن أشعار اللصوص ص 161 .
و « عمر » هنا : هو عمر بن ليث ، أحد بنى جحش بن كعب بن عميرة ابن خفاف . راجع حواشي الوحشيات ص 268 ، وفيها نسبة الأبيات لثالث .
( 4 ) سورة البقرة 164 .