الناس يستعملون المجانة في معنى الهزء بالشئ والتّهاون به ، يقولون : فلان ماجن ، إذا كان مسرفا في اللهو والقول لما لم يكن . فأمّا أهل اللغة فيقولون :
مجن : إذا مرن على الشئ . انتهى كلامه .
والذي قاله غير صحيح ، بدلالة أن المجانة قد وردت في الشّعر القديم ، على ما ذهب إليه المتنبّى ، وذلك في قول يزيد بن مفرّغ الحميرىّ ، يهجو عبّاد بن زياد بن أبيه :
شجاع في المجانة والمخازي * جبان عند محتضر المصاع « 1 »
وقال أبو الحسين بن فارس في المجمل : « المجون : ألّا يبالي الإنسان بما صنع » « 2 » ، فهذا دفع لما قاله أبو زكريّا ، من جهة شعر العرب ، ومن جهة قول أهل اللغة .
* * * وقال المتنبّى يصف جيشا في أرض قطعها ، ويخاطب الممدوح :
جيش كأنك في أرض تطاوله * والأرض لا أمم والجيش لا أمم « 3 »
يقول : بعدت الأرض وطالت ، فكأنها تطاول جيشك البعيد أطرافه .
والأمم : بين القريب والبعيد . ثم فسّر هذا بقوله :
إذا مضى علم منها بدا علم * وإن مضى علم منها بدا علم
أراد بالعلم من الأرض : الجبل ، وبالعلم من الجيش : الراية ، يقول :
فلا الجبال تفنى ، ولا أعلام الجيش .
هامش
( 1 ) لم أجده في ديوان ابن مفرّغ المطبوع ، مع وجود أبيات من وزن البيت وقافيته وموضوعه ، وذلك في ص 100 - 104 .
( 2 ) المجمل ص 823 ، وأيضا المقاييس 5 / 299 .
( 3 ) ديوانه 4 / 18 ، 19 .