هجا امرأة وشبه سالفتها وصدغها في اصفرارهما بكشية ضب في صقع من الأرض ، وأراد أن يقول : من سالفتين ومن صدغين ، فلم تمكنه التثنية ، فوضع الواحد موضع الاثنين اكتفاء بفهم السامع . كما قال الآخر [ من البسيط ] :
كأنّه وجه تركيين قد غضبا * مستهدف لطعان عند تذنيب
وقوله : كأنها كشية ضب : إنما أفراد الضمير ولم يقل كأنهما لأنه أراد سالفتيها وصدغيها وهي أربع فحمله على المعنى .
وأنشد ابن قتيبة في باب المقلوب « 1 » : [ من الطويل ]
( 257 ) كأن لها في الأرض نسيا تقصّه على أمّها وإن تحدثك تبلت
هذا البيت للشنفرى الأزدي واسمه عمرو بن عامر .
والنّسي : الشيء المنسي الذي ضل عن صاحبه ، ويكون النسي أيضا : الشيء الذي تقادم عهده حتى نسي .
وصف امرأة بالعفة والخفر ، يقول : إذا مشت نظرت إلى الأرض لشدة حيائها كأنها تطلب شيئا تلف لها . والأمّ : القصد الذي تريده لا تعرج عنه إلى غيره ، ومعنى تبلت :
تقطع كلامها ولا تطيله . وبعده « 2 » :
أميمة لا يخزي نثاها حليلها * إذا ذكر النسوان عفت وجلّت « 3 »
إذا هو أمسى آب قرّة عينها * مآب السعيد لم يقل أين ظلّت « 4 »
فدقّت وجلّت ، واسبكرّت وأكملت * فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت « 5 »
هامش
( 1 ) البيت للشنفرى في أدب الكاتب 524 ، والأغاني 21 / 187 ، والمفضليات 109 ، وشرح اختيارات المفضل 1 / 517 ، وشرح الجواليقي 338 ، والكامل 1018 ، واللسان 2 / 11 - 12 ( بلت ) ، 15 / 324 ( نسا ) ، وجمهرة اللغة 256 ، ومقاييس اللغة 1 / 295 ، 5 / 422 ، ومجمل اللغة 1 / 289 ، والمخصص 14 / 27 ، وتهذيب اللغة 13 / 81 ، 14 / 293 ، 294 ، والتاج 4 / 447 ( بلت ) ، وبلا نسبة في ديوان الأدب 2 / 146 .
( 2 ) الأغاني 21 / 186 - 187 ، والمفضليات 109 .
( 3 ) النثا : ما أخبرت به عن الرجل من حسن أو سيئ ، يقال : نثا الحديث والخبر : حدث به وأشاعه . حليلها : زوجها .
( 4 ) آب : رجع . لم يسأل أين ظلت ، لأنها لا تبرح بيتها . قال الأصمعي : ( هذه الأبيات أحسن ما قيل في خفر النساء وعفتهن ) وقد ذكرها ابن الأنباري في الشرح 202 .
( 5 ) اسبكرت : طالت وامتدت .