ويتمنى الشاعر أن يذهب الليل بظلمته ورهبته ؛ وأن يشرق الصبح بضوئه وجماله ولكنه يعود فيتذكّر أن أحزانه كامنة في نفسه فلن يسري عنها إشراق الصباح ولا ضجيج الحياة في أول النهار .
وتستمر الصور والذكريات تطوف بخيال الشاعر وأمام عينيه اليقظتين والليل كما هو لم يذهب ولم يطلع الصباح الجميل ، وكأنه لا يريد أن يذهب بل كأنه مشدود بحبال قوية شدّت بصخرة من صخور هذا الجبل الغليظ .
صور جميلة لا يعدل جمالها جمال ، وخيال يقظ مشبوب لا يماثله في استنباط دقائق التصوير خيال .
وهكذا كان امرؤ القيس وبحق ما كان زعيم الشعراء في الجاهلية .
ويرى الأصمعي ( 1 ) أن أحسن الناس تشبيها امرؤ القيس في قوله : [ الطويل ]
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالي « 1 »
وفي قوله : [ الطويل ]
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب « 2 »
وفي قوله : [ المتقارب ]
ولو عن نثا غيره جاءني * وجرح اللسان كجرح اليد « 3 »
وفي قوله : [ الطويل ]
سموت إليها بعد ما نام أهلها * سموّ حباب الماء حالا على حال « 4 »
وإن أبدع تشبيهاته قوله يصف فرسا : [ المتقارب ]
كأنّ تشوّفه بالضّحى * تشوّف أزرق ذي مخلب « 5 »
إذا قرعته جلال له * تقول سلبت ولم تسلب
شرح
( 1 ) ص 55 فحولة الشعراء ، للأصمعي - نشر محمد خفاجي وطه الزيني .
هامش
( 1 ) البيت في الديوان ص 129 .
( 2 ) البيت في الديوان ص 42 .
( 3 ) البيت في الديوان ص 53 .
( 4 ) البيت في الديوان ص 124 .
( 5 ) البيتان ليسا في ديوان امرئ القيس ( طبعة دار الكتب العلمية ) .