فالمفتتحة هي الثانية دون الأولى ، فيمكن أن يراد بالإقامة في هذه القرية إحياء الموات ونحوه .
وأما القرية التي عصت اللّه ورسوله فقوله : « أنّ خمسها للّه وسوله ثم هي لكم » . لا يدلّ على أنّها ملك للغانمين لوجوه :
أحدها : أنه يجوز أن يكون المراد أموال القرية المنقولة ، كما في قوله تعالى :
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ
[ الحج : 45 ] ، وقوله :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
[ النحل : 112 ] الآية . وقوله :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ
[ الطلاق : 8 ] ، وأمثال هذا كثير في القرآن ، والمراد بذلك أهل القرية . ومنه قوله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] .
الثاني : أنّه إن كان المراد نفس الأرض ، فهذا الحديث يدلّ على جواز قسمة الأرض بين الغانمين ، وانتفاء وجوبه مدلول عليه بأدلة أخرى .
والثالث : إن قيل أن الحديث يدلّ على وجوب ذلك ، فهو حجة على أنّها ليست ملكا للغانمين بخصوصهم ، لأنّ قوله « ثم هي لكم » خطاب لعموم المسلمين وهذا يقتضي كونها فيئا ، إذ لو كانت مختصة بالغانمين لقال ثم هي لمن قاتل عليها ، أو لمن أخذها ، ونحو ذلك .
فلما قال : « ثم هي لكم » دل على أنها مستحقة أو مملوكة لعموم المسلمين .
كقوله صلى اللّه عليه وسلم « عادى الأرض للّه ورسوله ثم هو لكم » « 1 » فإن هذا إباحة لعموم المسلمين أن يتملكوه .
هامش
( 1 ) الحديث ورد مرفوعا من مرسل طاووس ، ورواه البيهقي في « الكبرى » ( 6 / 143 ) ، ورواه من طريق يحيى بن آدم موقوفا على ابن عباس وسنده ضعيف .