وشيء آخر ترجّحت بفكري في طيّه ونشره ، فرأيت طيّه خمشا « 1 » لوجه النّصيحة ، وذكره بالإطالة فتحا لباب الفضيحة ، فذكرته مختصرا ؛ فقد يفهم من الكلام القصير المعنى العريض الطّويل ، وهو حديث المائدة والطّبق ، وما يحضر للأكل ويجمع عليه الرّفيع والوضيع ، والنّزه والجشع ، فجدّد الاهتمام بذلك ، فإن القالة فيه طائرة ، والحال فيه دائرة ، والحاجة إلى التّحزّم فيه ماسّة ، والتّغافل عنه مجلبة للذّم ؛ وقد رأينا قوما كراما تهاونوا في هذا الباب ، إمّا رفعا لأنفسهم عنه ، وإما شغلا بمهمّات أخر دونه ، فأكلتهم الألسنة ، وأعلقتهم الملامة ، وأحوجتهم إلى الاعتذار الطّويل بالاحتجاج الكثير . والكرم والمجد لا يثبتان بالدّعوى ، ولا يسلّمان بالحجّة ، ولكن يشيعان بالفعل الذي نطقه كالوحي في الحال التي تنتصب للعين ، ولا يؤنفنّ من ضعة الأكلة ، فإن لؤم الأكلة دليل ناصع على كرم المطعم .
وهذا باب يزلّ فيه الرئيس ويظلم فيه الخدم ؛ فإن الرئيس لا يقدر على أن يتولّى كلّ ذلك بنفسه فيراعيه بلحظه ولفظه ، إلا أنه متى أحكم الأساس فقد أمن الباس ، وأرضى جمهور الناس .
هامش
( 1 ) الخمش : الخدش في الوجه .